فهرس الكتاب
عنه، وهو باطل قطعًا، وفيه أيضًا القول بخلوّ العصر عن قائمٍ لله بحجّته، وأنه لم يَبْقَ من أهل ذلك العصر على الحقّ أحدٌ، وهذا باطلٌ [1] . وإذا اختلف الصحابة في مسألةٍ على قولين، لم يَجُزْ للتابعين الإجماع على أحدهما؛ لأن في انعقاد هذا الإجماع نسبة الأمة إلى تضييع الحقّ والغفلة عن الدليل الذي أوجب الإجماع، ولأن نزاع الصحابة واختلافَهم لا يمكن أن يكون على خلاف الإجماع، فلا يصحّ انعقاد إجماعٍ يخالفه بعض الصحابة [2] .
وعلى هذا فلا بدّ من معرفة المفتي بأقوال الصحابة؛ لئلاّ يخرج عن إجماعهم إذا أجمعوا، ولا يُحدِث قولًا لم يُنقَلْ عن أحدهم، فبذلك يكون بعيدًا عن الأقوال الضعيفة والشاذّة التي لا عبرة بها، وليس للقائلين بها سلفٌ.
ذكر ابن تيميّة أن كلّ طائفةٍ سوى أهل السنّة والحديث المتّبعين لآثار النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ... لا ينفردون عن سائر الطوائف بحقٍّ، قال: (وكذلك الطوائف المنتسبون إلى السنّة ... ... لا يوجد لطائفة منهم قولٌ انفردوا به عن سائر الأُمّة وهو صوابٌ، بل ما مع كل طائفةٍ منهم من الصواب يوجد عند غيرهم من الطوائف، وقد ينفردون بخطإٍ لا يوجد عند غيرهم، لكن قد تنفرد طائفةٌ بالصواب عمن يناظرها من الطوائف، كأهل المذاهب الأربعة قد يُوجد لكل واحدٍ منهم أقوالٌ انفرد بها وكان الصواب الموافق للسنّة معه دون الثلاثة، لكن يكون قوله قد قاله غيره من الصحابة والتابعين وسائر علماء الأُمّة، بخلاف ما انفردوا به ولم يُنْقَلْ عن غيرهم فهذا لا يكون إلا خطأً، وكذلك أهل الظاهر كل قولٍ انفردوا به عن سائر الأُمّة فهو خطأٌ، وأما ما انفردوا به عن الأربعة وهو صوابٌ فقد قاله غيرهم من السلف، وأما الصواب الذي ينفرد به كل طائفةٍ من الثلاثة فكثيرٌ، لكن الغالب أنه يوافقه عليه بعض أتباع الثلاثة) [3] .
وقال: (وكل قولٍ ينفرد به المتأخِّر عن المتقدِّمين ولم يسبقْه إليه أحدٌ منهم فإنه يكون
(1) معالم أصول الفقه ص 180 - 181.
(2) المصدر السابق ص 182.
(3) منهاج السنّة 5/ 177 - 178.