ونظر ذو القرنين إلى العمل الضخم الذي قام به، فلم يأخذه البطر والغرور، ولم تسكره نشوة القوة والعلم. ولكنه ذكر الله فشكره. ورد إليه العمل الصالح الذي وفقه إليه، وتبرأ من قوته إلى قوة الله، وفوض إليه الأمر، وأعلن ما يؤمن به من أن الجبال والحواجز والسدود ستدك قبل يوم القيامة، فتعود الأرض سطحا أجرد مستويا [1] .
كان ذو القرنين النموذج الأمثل للحاكم الصالح، يمكنه الله في الأرض، وييسر له الأسباب، فيجتاح الأرض شرقًا وغربًا، ولكنه لا يتجبر ولا يتكبر، ولا يطغى ولا يتبطر، ولا يتخذ من الفتوح وسيلة للغنم المادي. واستغلال الأفراد والجماعات والأوطان، ولا يعامل البلاد المفتوحة معاملة الرقيق، ولا يسخر أهلها في أغراضه وأطماعه، إنما ينشر العدل في كل مكان يحل به، ويساعد المتخلفين، ويدرأ عنهم العدوان دون مقابل، ويستخدم القوة التي يسرها الله له في التعمير والإصلاح، ودفع العدوان، وإحقاق الحق. ثم يرجع كل خير يحققه الله على يديه إلى رحمة الله وفضله، ولا ينسى وهو في إبان سطوته قدرة الله وجبروته وأنه راجع إلى الله [2] .
والقرآن الكريم يحكي بآياته الخالدة، وفي أعجز أسلوب، أمر هذا الرجل الصالح العادل كنموذج أمثل للمُلك الصالح المصلح؛ ليخلد بذلك ذكراه؛ وليكون درسا لكل من أراد أن يحكم بحق، ويُعلم الناس، ويهديهم إلى الطريق الصحيح، ويساعدهم إلى ما فيه خيرهم وفلاحهم ومن خلال الآيات نستطيع أن نقول إن هناك ثلاث صفات بارزة في ذلك الملك العادل وهي ركيزة كل حاكم يريد الحق والإصلاح وهي:
1 -الإيمان. 2 - العدل. 3 - العمل.
(1) سيد قطب، مرجع سابق، 4/ 2293.
(2) المرجع السابق.