وتشاوروا فيما بينهم في شأن موسى مؤكدين أنه ساحر عليم، ويريد أن يخرجهم من أرضهم ثم {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} [1] ، والإرجاء هو التأخير [2] قال الملأ من قوم فرعون حين استشارهم في أمر موسى: آخر أمره وأمر أخيه ولا تتعجل بالقضاء عليهم، وأرسل في مدائن ملكك رجالًا أو جماعات يجمعون إليك السحرة المهرة لكي يقفوا في وجه هذا الساحر العليم ويكشفوا عن سحره ويبطلوه بسحر مثله أو أشد وكان السحر في عهد فرعون من الأعمال الغالبة التي يحسنها كثير من أهل مملكته [3] ، فطمعوا أن يوجد في سحرة مصر من يدفع آيات موسى فتكون الحجة عليه ظاهرة للناس، وذلك في مكان جامع تشهده الجماهير.
{وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ} [4] من المدائن فحضروا عند قصره ليعرض عليهم المهمة التي حشرهم من أجلها، وكان هؤلاء السحرة واثقين من مقدرتهم على السحر والتصرف في الأعيان والعيون، وعرضوا لفرعون بالأجر ينالونه جزاء قيامهم بالسحر {قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} [5] إشعارًا بجدارتهم، فوعدهم بالأجر الجزيل و {قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [6] من فرعون زيادة في الإغراء، وتشجيعا على بذل غاية الجهد.
قال القاسمي: تدل الآية على معجزة عظيمة لموسى، وتدل على جهل فرعون وقومه حيث لم يعلموا أن قلب العصا حية تسعى لا يقدر عليه إلا الله وتدل على أن من عادة البشر أن من رأى أمرًا عظيمًا أن يعارضه، فلذلك
(1) سورة الأعراف، الأية: 111.
(2) الأزهري، مرجع سابق، 2/ 1362.
(3) طنطاوي، مرجع سابق، 5/ 347.
(4) سورة الأعراف، الأية: 113.
(5) سورة الأعراف، الأية: 113.
(6) سورة الأعراف، الأية: 114.