سحرهم إفكًا دليل على أن سحرهم لا حقيقة له، وأنه مجرد تخيلات وتمويهات.
{فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [1] ظهر الحق وأصبح صدق موسى واقعًا مشهودًا، وقد عطف عليها بقوله {فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ} [2] [3] لم يغلب السحرة فقط، بل غلب فرعون وجماعته، وأصبح كل من هو ضد موسى في صغار أي مذلة ظهور عجزهم، ومذلة خيبة رجائهم ما أملوه من الأجر والقرب عند فرعون [4] .
علم السحرة أن السحر لا يفعل مثل ذلك، وإنما هي القوة الإلهية صنعت هذا {وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} [5] عند معاينة المعجزة سجدًا لربهم، لأن الحق بهرهم وحملهم على السجود، فإنهم كانوا أعلم الناس بالسحر فلا يخفى عليهم ما هو خارج عن الأعمال السحرية، فعلموا أنه تأييد من الله تبارك وتعالى لموسى عليه السلام، وأيقنوا أن ما دعاهم إليه موسى الحق، فلذلك سجدوا، وبنى فعل الإلقاء للمجهول وتقديره: وألقوا أنفسهم على الأرض تعظيمًا لرب العالمين [6] و {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [7] أعلنوا إيمانهم بالله لئلا يظن الناس أنهم سجدوا لفرعون، إذ كانت عادة القبط السجود لفرعون [8] ؛ ولكن فرعون وملأه لم يرقهم ما شاهدوا من إيمان السحرة، ولم يدركوا لانطماس بصيرتهم فعل الإيمان في القلوب، فأخذ يتوعدهم بالموت الأليم ويحكي القرآن ذلك قَالَ فِرْعَوْنُ
(1) سورة الأعراف، الأية: 117.
(2) سورة الأعراف، الأية: 119.
(3) ابن عاشور، مرجع سابق، 9/ 51.
(4) ابن عاشور، مرجع سابق، 9/ 51.
(5) سورة الأعراف، الأية: 120.
(6) ابن عاشور، مرجع سابق، 9/ 52.
(7) سورة الأعراف، الأية: 121.
(8) ابن عاشور، مرجع سابق، 9/ 52.