طغيانهم يعمهون فقالت {وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [1] [2] ، فهم يصرون على التكذيب مهما رأوا من بينات خشية ذهاب مُلكهم وسلطانهم، ولأن الحق يخالف هواهم ومصلحتهم، فعاندوا موسى حين تحداهم بها؛ لذا عاقبهم الله -تبارك وتعالى- على كفرهم وتكذيبهم وجرائمهم، فأرسل {عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ} [3] والطوفان ما طاف بهم، وغشي أماكنهم وحروثهم من مطر وسيل، فهو اسم جنس من الطواف، وقد اشتهر في طوفان الماء [4] ، وأما {الْجَرَادَ} فأكل زروعهم وثمارهم وأعشابهم، حتى ترك أرضهم سوداء قاحلة، وأما {الْقُمَّلَ} وهو ضرب معروف من الحشرات المؤذية [5] ، فدخلت جلد الحيوان والإنسان فامتصت دمه، وأرسلنا عليهم {الضَّفَادِعَ} فدخلت بيوتهم، وامتلأت منها آنيتهم وأطعمتهم ومضاجعهم فلا يقدرون على الرقاد بسبب نقيقها، وأرسل عليهم الدم، قيل: رعاف أصابهم وتفشى فيهم، وقيل: صارت مياه الأنهار مختلطة به؛ فمات السمك فيها. تلك هي النقم التي أنزلها الله تعالى على هؤلاء المجرمين، بسبب فسوقهم عن أمر ربهم، وتكذيبهم لنبيهم عليه السلام [6] .
ثم وضحت الآية في نهايتها موقفهم من هذا الابتلاء وتلك العقوبات فقالت: {فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ} [7] ، ولم يؤمنوا وتكبروا على دين موسى والتصديق بآياته فأجرموا في حق أنفسهم، وقطعوا ما بينهم وبين الأيمان ثم بين سبحانه حالهم عند نزول العقاب بهم فقال: وَلَمَّا وَقَعَ
(1) سورة الأعراف، الأية: 132.
(2) طنطاوي، مرجع سابق، 5/ 258.
(3) سورة الأعراف، الأية: 133.
(4) الألوسي، مرجع سابق، 9/ 23.
(5) طنطاوي، مرجع سابق، 5/ 359.
(6) طنطاوي، مرجع سابق، 5/ 359.
(7) طنطاوي، مرجع سابق، 5/ 360.