وَأَسَرُّوا النَّجْوَى أي: وبعد أن سمع السحرة من موسى نصيحته لهم وتهديده إياهم اختلفوا فيما بينهم، {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} أي: وبالغوا في إخفاء ما يسارون به عن موسى وأخيه عليهما السلام [1] .
ودعا بعضهم بعضًا للتشاور فيما يصنعون بعد تنازعهم في الرأي، ثم اعتمدوا على الإطماع بالأجر الكبير الذي سينالونه من فرعون و {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بسِحْرِهِمَا وَيذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} [2] وأكدوا كلامهم بـ (إن) كون موسى وهارون ساحرين حتى يتحقق ذلك عند من يغامره الشك في صحة دعوتهما وإن فوزهما يعني خروج السلطة من أيديكم وانتهاء حياتكم المفضلة، قال الزمخشري: أرادوا أهل طريقتكم المثلى وهم بنو إسرائيل وقيل: الطريقة اسم لوجوه الناس وإشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم [3] ، وهذا يوجب مواجهتهما يدًا واحدة بلا تردد ولا نزاع {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا} [4] أي: ثم ائتوا جميعًا مصطفين، حتى يكون أمركم أكثر هيبة في النفوس وأعظم وقعًا على القلوب، وادعى إلى الترابط والثبات وقوله: {وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى} تذييل مؤكد لما قبله، أي قد أفلح وفاز بالمطلوب في يوم النزال من طلب العلو، وسعى من أجله واستطاع أن يتغلب على خصمه [5] .
وحانت ساعة المبارزة وحدث ما حدث مما فصلنا فيه سابقًا والذي انتهى بإسلام السحرة وما فعل فرعون عندما رأى إيمانهم ووقوف السحرة بعد إيمانهم أمام فرعون وتوعده وتهديده لهم وقفة أهل الإيمان الذين ينظرون إلى الأرض وما عليها أنها متاع زائل.
(1) طنطاوي، مرجع سابق، 9/ 122.
(2) سورة طه، الأية: 63.
(3) الزمخشري، مرجع سابق، 2/ 439.
(4) سورة طه، الأية: 64.
(5) طنطاوي، مرجع سابق، 9/ 123.