ولما طال مقام موسى -عليه السلام- ببلاد مصر، وأقام بها حجج الله وبراهينه على فرعون وملئه، وهم في ذلك يكابرون ويعاندون، ولم يبق لهم إلا العذاب والنكال فأمر الله تعالى موسى -عليه السلام- أن يخرج ببني إسرائيل ليلا من مصر، وأن يمضي بهم حيث يؤمر.
علم فرعون بخروج بني إسرائيل دون إذنه فغاظه ذلك الأمر واشتد غضبه {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} [1] أي: فأرسل جنوده ليجمعوا له الناس من المدائن المتعددة في مملكته، وبعد أن اكتمل عددهم أخذ في التهوين من شأن موسى ومن معه؛ فقال: {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} [2] أي إن هؤلاء الذين خرجوا بدون إذني وإذنكم، لطائفة قليلة من الناس الذين هم بمنزلة العبيد والخدم لي ولكم [3] ، والشرذمة: الطائفة القليلة من الناس هكذا فسره المحققون من أئمة اللغة؛ فإتباعه بوصف «قليلون» للتأكيد لدفع احتمال استعمالها في تحقير الشأن أو بالنسبة إلى جنود فرعون [4] ؛ فيسهل متابعتهم وأسرهم أو قتلهم أو إعادتهم إلى العبودية، وقد خالفوا ديننا وارتكبوا أفعالًا تُغِيظُنا وتُضِيقُ صدورنا {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} [5] ونحن قوم من عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} [6] .
فجمع فرعون الجموع الغفيرة، وخرجوا من النعيم إلى الجحيم، وتركوا البساتين الخضراء في مصر ومنازلهم الفخمة والمُلك والجاه، فساروا مسرعين خلف موسى ومن معه كما قال تعالى: فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ
(1) سورة الشعراء، الأية: 53.
(2) سورة الشعراء، الأية: 54.
(3) طنطاوي، مرجع سابق، 9/ 249.
(4) ابن عاشور، مرجع سابق، 19/ 130.
(5) سورة الشعراء، الأية: 55.
(6) سورة الشعراء، الأية: 56.