ولذا قال فرعون يبين لقومه سبب عزمه على قتله: {إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [1] . قال الزمخشري: {دِينَكُمْ} عبادة فرعون والأصنام بدليل قوله تعالى: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} [2] [3] ، وقيل: الدين هنا يراد به نظام الحكم الذي يقوم على سلطة فرعون وأسرته ذكره الألوسي [4] ، ولهذا ينبغي قتله حفاظًا على السلطة الفرعونية، أو خوفًا من أن يظهر في الأرض الفساد من تمرد الشعب، أو إحداث الشغب والاضطرابات والفتن في بلاد مصر.
عندئذ لجأ موسى عليه السلام إلى ربه مستعيذا به من فرعون وظلمه وقال لهم: {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [5] وهنا قيض الله لموسى رجلًا من آل فرعون آمن بموسى سرًا يدافع عنه بالنصيحة تارة وبالتخويف والإقناع تارة أخرى.
{قَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ} [6] ظاهر الآية الكريمة يفيد أن هذا الرجل المؤمن كان من حاشية فرعون بدليل قوله تعالى: {مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} ولم يكن من بني إسرائيل [7] ، يكتم إيمانه زمانًا إلى أن عزم فرعون على قتل موسى فهب يحمي موسى بحكمته ويقول لهم: إنه ليس من العدل قتل رجل يقول ربي الله.
ثم يتابع مؤمن آل فرعون نصحه فيقول: وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ
(1) سورة غافر، الأية: 26.
(2) سورة الأعراف، الأية: 127.
(3) الزمخشري، مرجع سابق، 3/ 367.
(4) الألوسي، مرجع سابق، 24/ 62.
(5) سورة غافر، الأية: 27.
(6) سورة غافر، الأية: 29.
(7) طنطاوي، مرجع سابق، 12/ 283.