كَذَّابٌ [1] فإن كان كاذبًا فهو يحمل تبعة ادعاءته فاتركوه حيًا ولا تعجلوا بقتله لأنه لا يضركم كذبه شيئًا ولا ينزل بكم مما يتوعدكم به، فعليه ينزل من الله عقاب كذبه، وحين فرضه صادقًا فقد أثبت أنه صادق فيما كان يتوعدهم به من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وفي ذلك هلاككم.
ثم تابع قوله: {يَا قَوْم لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا} [2] أي: يا أهلي وعشيرتي، أنتم اليوم لكم المُلك غالبين ومنتصرين في أرض مصر عالين فيها على بني إسرائيل قوم موسى [3] ، فلا تغرنكم عظمتكم وملككم وتتعرضوا لبأس الله وعذابه بتكذيبكم موسى؛ فإن حل بنا نقمته لا تغني عنا هذه الجنود لا ترد عنا شيئًا، ويجمل نفسه فيهم وهم يذكرهم ببأس الله، لتكون النصيحة أبلغ في التأثير كونه مشاركًا فيهم.
وهنا تجد القرآن الكريم يخبرنا بأن فرعون بعد أن استمع إلى نصيحة الرجل المؤمن، أخذته العزة بالإثم، وقال ما يقول كل طاغية معجب بنفسه: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [4] [5] إنه لما يأبه بهذا النصح، وأصر على موقفه فيما يراه بنظره سديدًا من قتله موسى فهو يرشدهم بزعمه لحمايتهم وحماية مُلكهم مما يحدثه موسى من فتن وقلاقل في مصر.
ولكن الرجل المؤمن لم يسكت على هذا التدليس والتمويه الذي نطق به فرعون، بل استرسل في نصحه لقومه فقال: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْم إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ} [6] والأحزاب هنا: تلك الأمم السابقة التي
(1) سورة غافر، الأية: 28.
(2) سورة غافر، الأية: 29.
(3) طنطاوي، مرجع سابق، 12/ 286 بتصرف.
(4) سورة غافر، الأية: 29.
(5) طنطاوي، مرجع سابق، 12/ 287.
(6) سورة غافر، الأية: 30.