بالتحول من منزله الذي كان فيه إلى المنزل الذي يناسب المعركة يوم بدر، ما يحطم غرور الدكتاتورين المتسلطين على الشعوب بغير إرادة منها ولا رضي [1] ، وهكذا نراه صلى الله عليه وسلم لم يفوت لأصحابه شيئًا من أمر هذه الغزوة ثم يجتهد هو صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في الآراء فيأخذ بما يراه أليق ولروح الشريعة أوفق، والله يسدده ويبين له الأصوب من الصواب.
وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «وشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أحد في المقام والخروج فرأوا له الخروج» [2] [3] .
والذين رأوا له الخروج إلى أحد هم بعض صلحاء الصحابة الذين لم يشهدوا بدرًا وأحبوا أن ينالوا من الشهادة والأجر ما نال إخوانهم في بدر، ولكن لما علموا أن الرأي هو ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم من عدم الخروج ندموا واستسمحوا النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا إليه المقام، فأبى عليهم حيث فات الأوان وأخذ بالرأي النهائي ووجب العزم والتوكل على الله، ولم نر أحدًا ذكر أنهم كانوا هم الأكثرية حتى نقول أخذ برأي الأكثرية أو الأغلبية فيتعين على الحاكم الأخذ بذلك مطلقًا، والحاصل أن الرأي الأصوب والأصلح إذا تحدد تعين الأخذ به سواء كانت الأغلبية في جانبه أو مجانبة له، ولنكتف بهذا القدر من استشاراته صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الحرب والشئون العامة.
ولنأخذ مثالًا للاستشارة في الشئون الخاصة: جاء في صحيح البخاري رحمه الله تعالى: «وشاور عليا وأسامة فيما رمي به أهل الإفك عائشة فسمع
(1) انظر: السباعي، مصطفى، السيرة النبوية دروس وعبر، (القاهرة: المكتب الإسلامي، 1405 ه-1985 م) ، ص 13.
(2) البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول الحق تبارك وتعالى: (وأمرهم شورى بينهم) [الشورى: 38] ، (وشاورهم في الأمر) [آل عمران: 159] .
(3) ابن حجر، فتح الباري، مرجع سابق، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول الحق تبارك وتعالى: (وأمرهم شورى بينهم) [الشورى: 38] ، (وشاورهم في الأمر) [آل عمران: 159] ، 13/ 339.