وهكذا كان صلى الله عليه وسلم يوضح الأمور للناس ويستشيرهم ويأخذ بما يراه حتى ينزل وحي فيكون هو المرجع.
هذا ولما انتقل صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ترك الأمر شورى من بعده فيمن يتولى الخلافة من المسلمين، وإن حصل منه ما يستأنس به لترشيح أبي بكر الصديق رضي الله عنه، لهذه المهمة وعلى كل حال فقد انعقد الإجماع على انتخاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه ليكون الخليفة الأول في الإسلام بعد المشاورات والمداولات التي كانت في سقيفة بني ساعدة [1] .
ثم كانت البيعة العامة في المسجد حيث قام رضي الله عنه مبينا منهجه في الحكم، ومعلنا أنه قابل للتوجيه والتقويم. وما ذلك إلا فتحًا لباب الرأي والمشورة والنصح، وفعلًا بدأ رضي الله عنه في المشاورات فاستشارهم في إنفاذ جيش أسامة وكان يرى إنفاذه وتمسك برأيه وأنه لا يحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنفذه. واستشارهم في قتال أهل الردة ومانعي الزكاة وتمسك بالنص وقال: «لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة» [2] ، وكان الرأي فيما رأى رضي الله عنه، ولكنه في الحالات التي لم يأخذ فيها برأي عمر أو غيره من الصحابة لم يقل لهم ليس عندكم الحق في هذا الرأي أو ليس لكم الاعتراض أو أنا لا تلزمني مشورتكم بل كان رضي الله عنه سديد الرأي واعيًا للإسلام مدركا للأحكام يبدي رأيه ويبرره بالدليل أو بيان دليله نقليًا كان أو عقليًا فيقتنع المقتنع، ولا يلتفت بعد ذلك إلى المخالف.
(1) الأنصاري، عبد الحميد إسماعيل، الشورى وأثرها في الديمقراطية (دراسة مقارنة) ، ط 2، (بيروت: المكتبة العصرية للطابعة والنشر) ، ص 77 - 87.
(2) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ص 72 - 73، حديث رقم 124.