قال الإمام البخاري رحمه الله في بيان ما كان عليه أصحابه من بعده في الخلافة الراشدة: «كانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم» [1] .
وهكذا: لم يلتفت أبو بكر إلى مشورة إذ كان عنده حكم النبي صلى الله عليه وسلم في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل الدين وأحكامه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «من بدل دينه فا قتلوه» [2] يعني من المسلمين، وهكذا كانت المشورة فيما لا نص فيه أمرًا متبعًا، وسنة يقتدى بها؛ فمنهج الشورى على هذا طبقه نبي الله صلى الله عليه وسلم في الأمور والحوادث المستجدة التي لم يرد فيها نص، وسلمه لخليفته الأول والتزمه رضي الله عنه من بعده كما رأينا.
وهذا هو الفاروق رضي الله عنه يتسلمه مع العهد بالخلافة من يد أبي بكر الصديق ويبدأ في تطبيقه من أول وهلة، حيث علم أن الصديق استشار الناس في شأن العهد له بالخلافة من بعده وأنهم مجمعون على اختياره؛ لكن علم أيضًا أن الأمر لا يتم له إلا بمبايعة الناس له فمد لهم يده للمبايعة وبادلهم الآراء فيما يهم الدولة وجيوشها الغازية في فارس والشام فشاورهم في الخروج إلى فارس وقيادة جيش المسلمين؛ فأشار عليه الأكثرون بالخروج وأشار عليه أهل الرأي بالبقاء وإرسال الجيوش ففعل، واستشارهم في اختيار القواد والعمال والقضاة، والصلح، والقدوم على أرض فيها وباء، وغير ذلك من الأمور [3] .
(1) البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول الحق تبارك وتعالى: (وأمرهم شورى بينهم) [الشورى: 38] ، (وشاورهم في الأمر) [آل عمران: 159] ، ص 1780.
(2) البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول الحق تبارك وتعالى: (وأمرهم شورى بينهم) [الشورى: 38] ، (وشاورهم في الأمر) [آل عمران: 159] ، ص 1780.
(3) انظر: ابن حجر، فتح الباري، مرجع سابق، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول الحق تبارك وتعالى: (وأمرهم شورى بينهم) [الشورى: 38] ، (وشاورهم في الأمر) [آل عمران: 159] ، 13/ 342.