فقد قال الحق تبارك في أوجز صياغة وأبلغ عبارة: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ} [1] .
والخطاب القرآني في هاتين الآيتين يواجه الملحدين والمنكرين بهذه الحجة التي لا تملك العقول لها دفعًا، يقول لهم: إنكم لا تمارون في حقيقة خلقكم ولا في حقيقة خلق السماوات والأرض، كما لا تمارون في أن المخلوق لابد له من سبب لوجوده، وإذا تقرر ذلك فلا مناص لكم من الإقرار بوجود الخالق جل في علاه.
ولقد صاغ لهم الحق تبارك وتعالى هذه الحجة في هذه الأسئلة الإنكارية: هل خلقوا من غير شيء فوجدوا بلا خالق؟ وذلك في الفساد ظاهر لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الأمر فلابد له من خالق، فإن أنكروا الإله الخالق، ولم يجز أن يوجدوا بغير خالق أفهم الخالقون لأنفسهم؟ وذلك في الفساد أظهر، لأن ما لا وجود له كيف يخلق؟ وكيف يجوز أن يكون موصوفًا بالقدرة؟ وإذا بطل الوجهان معا قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقا فليؤمنوا به.
ولقد أقر بهذا قادة العلوم التجريبية وأساطينها في واقعنا المعاصر وعبروا عنها بقانون السببية، وخلاصته أنه ليس لشيء من الممكنات أن يحدث بنفسه من غير شيء ولا أن يستقل بإحداث شيء لأنه لا يستطيع أن يمنح غيره شيئًا لا يملكه.
ولم يزل علماء المسلمين يواجهون عتاة الملحدين بهذا فيبهتون ويذعنون وكلما اكتشف العلم جديدًا من سنن الخلق كلما قاد هذا العلم المنصفين من رواده إلى الانخلاع من الكفر والإجابة إلى الإيمان.
ولقد دعا القرآن الكريم إلى السير في الأرض والتدبر في الخلق ليستيقن المرتابون ويزداد الذين آمنوا إيمانًا، فقال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ} [2] ، وقال تعالى:
(1) سورة الطور، الأية: 35 - 36.
(2) سورة العنكبوت، الأية: 20.