ومشركو العرب وغيرهم من الأمم كانوا يقرون على الجملة بالخلق والرزق والتدبير وورد ذلك في القرآن فمنه قال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [1] وقال تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [2] .
وهذا الإقرار المجمل من المشركين بالربوبية لا يعني أنه لم يقع شرك في الربوبية قط، بل قد وقع الشرك في بعض الربوبية لدى البعض، كاعتقاد بعض المشركين أن ثم خالقا خلق بعض العالم كما سبقت الإشارة إلى الثنوية والمانوية وبعض الفلاسفة وغيرهم ممن يثبون أمورا محدثة بغير إحداث الله لها، أو اعتقاد بعضهم في آلهتهم شيئًا من النفع والضر لم يخلقه الله كما قال قوم هود لنبيهم: {إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [3] ، أو كما خوف قوم إبراهيم عليه السلام نبيهم بشركائهم فناظرهم بقوله: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [4] [5] .
ويضاف إلى تلك الحقيقة حقيقة أخرى وهي أنه لم يعرف الإلحاد بإنكار الخالق تبارك وتعالى بالكلية بين أجناس البشر قاطبة إلا في القرنين الثامن عشر، والتاسع عشر الميلاديين وبخاصة عندما ظهر المذهب الشيوعي الماركسي المدمر الذي نكبت به أوروبا وأنحاء كثيرة من العالم.
ولما كان هذا الشرك في الربوبية موجودًا في الناس بيَّن القرآن بطلانه كما في قوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [6] .
(1) سورة العنكبوت، الأية: 61.
(2) سورة يونس، الأية: 31.
(3) سورة هود، الأية: 54.
(4) سورة الأنعام، الأية: 81.
(5) صلاح الصاوي، مرجع سابق، ص 82 - 83.
(6) سورة المؤمنون، الأية: 91.