فالكون كله بما فيه ومن فيه يشهد أنه مخلوق لخالق عظيم خلق كل شيء بمقدار وميزان وترتيب وحساب بحيث يتلاءم مع مكانه وزمانه وبحيث يتناسق مع غيره من الموجودات القريبة والبعيدة عنه، سواه وأتقنه وأحسن خلقه وأكمل صنعته بحيث يكون مهيئا لأداء وظيفته، ويكون مستويا معتدلا متناسب الأجزاء ليس بينهما تفاوت يخل بالمقصود والهمه نهاية وجوده، وهداه إلى ما خلق من أجله، فهي الإلهام الفطري أو الغريزي الذي تتوجه به المخلوقات قاطبة إلى أداء دورها وتحقيق وظيفتها في هذا الحياة.
وهذه الهداية عامة لا تتعلق بالمكلفين فحسب، وليست مقصورة على الكائنات التي تتحرك بالإرادة فحسب، ولكنها هداية مبثوثة في كل شيء في هذا الوجود لتحمل في طياتها أبلغ الأدلة على وجود الرب جل وعلا وبديع صنعه وتدبيره وأنه خالق كل شيء ومليكه.
قال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [1] . في هذه الآية حققت الاستعارة المكنية [2] ظلالًا رائعة، ومعاني جمالية جامعة للحُسن من أطرافه، من خلال تعبيرها عن عظمة مُلكه تعالى، وتصرفه في السماوات والأرض بأبلغ تعبير وأوجز أسلوب وأعذب وقع. إذ شبه النص القرآني خيرات السماوات والأرض بخزائن الكنوز، وأثبت للسماوات والأرض ما هو لازم من لوازم المشبه به وهو المقاليد [3] التي تأتي في اللغة بمعنى المفاتيح [4] والتي فيها تصوير وتخييل لشدة تمكنه تعالى من السماوات والأرض [5] ، وقد حَسُنت هذه الاستعارة هنا، وَجَمُلت؛ لأن القرآن الكريم قد وصف السماء في مواضع متعددة بأن لها خزائن وأبوابًا،
(1) سورة الزمر، الأية: 62 - 63.
(2) الاستعارة المكنية هى نوع من أنواع الاستعارة مبنية على ذكر المستعار له (المشبه) وحذف المستعار منه (المشبه به) مع ذكر شئ من لوازمه. (انظر: الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، تحقيق: محمد عبد المنعم خفاجي، ط 1،(بيروت: دار الجيل، 2004 م) ، ص 38).
(3) ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، (تونس: دار سحنون) ، 25/ 49.
(4) ابن منظور، مرجع سابق، مادة"قلد"3/ 148.
(5) البقاعي، برهان الدين إبراهيم بن عمر، نظم الدرر في تناسب الأيات والسور، تحقيق: عبد الرزاق غالب المهدى، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1415 ه-1995 م) ، 16/ 544.