فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 360

فحسن على مقتضى الكلام ونسقه أن توصف بأن لها مقاليد وإغلاقا [1] وقد اختلف أهل العلم في لفظة (مقاليد) فذهب بعضهم إلى أنها معربة وذهب آخرون إلى أنها عربية يمانية مفردها (أقليد) [2] .ومهما يكن الأمر فإن استعمال النص القرآني لفظة (مقاليد) بدلًا من لفظة (مفاتيح) تناسبا صوتيا مع جو النص، يحدثه جرس حروف القاف والدال وما فيها من تصور لصوت حركة المفاتيح وهي تتحرك ويحتك أحدها بالآخر.

ونلحظ من خلال التداخل والامتزاج بين الاستعارة التخييلية [3] والمكنية في قوله تعالى: {مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} جمالًا تصويريًا يشخص السماوات والأرض بصورة أخرى هي صورة الخزائن المليئة بالكنوز والخيرات، والتي لا يملك التصرف بها إلا من يملك مفاتيحها وبذلك يأخذ الذهن في تخيل صورة أخرى متعلقة بالأولى، تمثل تخيل عظمة تصرفه في الكون وتدبيره تعالى للوجود بصورة المفاتيح التي توحي بالحفظ والتدبير؛ لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي بيده مقاليدها [4] ، وأضفى عليه ما يدل عليه جمع التكسير (مقاليد) من معنى الكثرة [5] ؛ ففي (مقاليد) إشارة جميلة إلى كثرة تدبيره وتصريفه في الكون ويلمح من أسلوب هذه الصورة القرآنية استعمالها لأمور مألوفة لدى الناس من المفاتيح والخزائن لإدخال هذه الصورة البيانية إلى ذهن المتلقي وخياله؛ فينفعل ويعتبر ذلك أن الخيال يقوم على لغة الحس التي يتفاعل معها الناس عامة وخاصة، فكان لابد من التعبير عن هذا الوجود اللا متناهي بلغة الحس المتناهية من أجل ذلك

(1) الشريف الرضى، محمد بن أبي أحمد الحسين بن موسى، تلخيص البيان في مجازات القرآن، تحقيق: محمد عبد الغني، (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1955 م) ، ص 258.

(2) الأزهري، أبو منصور محمد، تهذيب اللغة، تحقيق: محمد علي النجار، (القاهرة: الدار المصرية، 1967 م) ، مادة"قلد"، 9/ 32.

(3) الاستعارة التخييلية هى نوع من أنواع الاستعارة تشبه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين أو أمور بالأخرى، ثم تدخل المشبه في جنس المشبه بها مبالغة في التشبيه فتذكر بلفظها من غير تغيير. (انظر: الخطيب القزويني، محمد بن عبد الرحمن، الإيضاح في علوم البلاغة، تحقيق: محمد عبد المنعم خفاجى، ط 3،(بيروت: دار الكتاب اللبناني) ، 1971 م).

(4) الزمخشري، محمد بن عمر، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التاويل، تحقيق: عبد الرزاق المهدى، (بيروت: دار إحياء التراث العربي) ، 3/ 406.

(5) أبو البقاء، موفق الدين أبو البقاء بن يعيش الموصلي الزمخشري، شرح المفصل، قدم له ووضع هوامشه وفهارسه د: إميل بديع يعقوب، (بيروت: دار الكتب العلمية) ، 3/ 406.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت