استخدم القرآن اللغة التصويرية ليخاطب الناس على قدر عقولهم [1] ؛ ولذلك جاءت هذه الصورة القرآنية بعيدة عن الصعوبة أو التعقيد بل هي صورة سهلة وسلسلة، ولكنها في الوقت نفسه مليئة بالإشارات والمعاني والعبر وعند الدخول أكثر إلى أعماق الاستعارة وصورها الموحية نلمح اقترابا وافتراقا من الصورة التي نقلها الزمخشري في معرض تفسيره لهذه الآية حين قال: ومنه قولهم فلان ألقيت مقاليد الملك إليه [2] .
فمن الاقتراب بين التعبير القرآني وبين ما نقله الزمخشري من التعبير المشهور استعمال صيغة (مقاليد) في كلا التعبيرين، أما من حيث الافتراق، فيلحظ أن التعبير القرآني يذكر انفراده جل وعلا بالملك وقوة سلطانه من خلال أسلوب القصر ومن خلال إبراز عظمة مملكته وسعتها عندما يذكر (السماوات والأرض) التي صورت عظمتها وسعتها بخزائن الله الملك المتعالي فكيف إذن سعة مملكته تعالى وعظمتها؟
وعند النظر في بنية الاستعارة المكنية وتناسقها مع تراكيب الآية وسياقها. نلحظ أن بنية الاستعارة التخيلية احتوت على نوعين من القصر الأول: أسلوبي مستفاد من تقديم الجار والمجرور (له) في قوله تعالى: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} والثاني: واقعي عرفي لأن الخزائن لا يستطيع دخولها والتصرف فيها إلا من يملك مفاتيحها [3] ، وجاءت الاستعارة اعتراضًا بين قوله تعالى: {وَينَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [4] وبين قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [5] دلالة على أنه تعالى مهيمن على العباد مطلع على أفعالهم ومجازيهم عليها، وهذا ما يكسب الاستعارة تعددا في الأدوار والعلاقات في النص ونسيجه وتناسقت الاستعارة مع ما سبقها من قوله تعالى: اللَّهُ
(1) أبو زيد، نصر حامد، الإتجاه العقلي في التفسير، ط 1، (بيروت: دار التنوير، 1982) ، ص 160.
(2) الزمخشري، مرجع سابق، 3/ 406.
(3) البيضاوي، نصر الدين عبدالله بن عمر الشيرازي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، تحقيق: عبد القادر حسونة، (بيروت: دار الفكر، 1996 م) ، 5/ 75.
(4) سورة الزمر، الأية: 61.
(5) سورة الزمر، الأية: 63.