والظاهر المتبادر أن المراد بالملك السلطة والتصرف في الأمور والله سبحانه وتعالى يؤتي الملك في بعض البلاد من يشاء من عباده، إما بالتبع لما يختصهم به من النبوة كما وقع لآل إبراهيم وإما بسيرهم على سننه الحكيمة الموصلة إلى ذلك بأسبابه الاجتماعية كتكوين العصبيات كما وقع لكثير من الناس، وينزعه ممن يشاء عن الأفراد والأسر والعشائر والفصائل والشعوب بتنكيبهم سننه الحافظة للملك، كالعدل وحسن السياسة وإعداد المستطاع من القوة كما نزعه من بني إسرائيل ومن غيرهم بالظلم والفساد، ذلك أننا لا نعرف ما قضت به مشيئته -عز وجل- إلا من الواقع لأنه لا يقع في الوجود إلا ما يشاء [1] .
والمالك هو المختص بالتصرف في شيء بجميع ما يتصرف في أمثاله مما يقصد له من ذواتها، ومنافعها وثمراتها بما يشاء؛ فقد يكون ذلك بالانفراد، وهو الأكثر، وقد يكون بمشاركة واسعة أو ضيقة، ولما كان المُلك ماهية من المواهي، كان معنى كون الله مالك الملك أنه المالك لتصريف المُلك، أي لإعطائه وتوزيعه وتوسيعه وتضييقه، فهو على تقدير تعريف الملك الثاني والثالث للجنس دون استغراق أي طائفة وحصة من جنس الملك؛ ولذلك بينت صفة مالك الملك بقوله تعالى: {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ} فإن إيتاءه ونزعه مقول عليه بالتشكيك: إيجابا، وسلبا، وكثرة وقلة [2] .
وقال صاحب الكشاف [3] : {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ} تعطي من تشاء النصيب الذي قسمته له واقتضته حكمتك من المُلك. وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن
(1) رشيد، محمد رشيد رضا، تفسير القرآن الحكيم، (القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب، 1990 م) ، (3/ 221) بتصرف.
(2) ابن عاشور، مرجع سابق، (3/ 213) بتصرف.
(3) هو محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري، جار الله، أبو القاسم: من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والاداب. ولد في زمخشر (من قرى خوارزم) وسافر إلى مكة فجاور بها زمنا فلقب بجار الله. وتنقل في البلدان، ثم عاد إلى الجرجانية (من قرى خوارزم) فتوفى فيها. أشهر كتبه (الكشاف في تفسير القرآن، و(أساس البلاغة) و (المفصل) ومن كتبه (المقامات) و (الجبال والامكنة والمياه) و (المقدمة) معجم عربي فارسي، مجلدان، و (مقدمة الأدب) في اللغة، و (الفائق) في غريب الحديث، و (المستقصى) في الامثال، مجلدان، و (رؤوس المسائل) في شستربتى و (نوابغ الكلم) رسالة، و (ربيع الابرار) الجزء الاول منه، و (المنتقى من شرح شعر المتنبي، للواحدي) منه نسخة في مكتبة شيخ الإسلام، بالمدينة، رقم 795 كتبت سنة 633 في 136 ورقة (كما في مذكرات الميمنى) و (القسطاس) في العروض، و (نكت الإعراب في غريب الاعراب) رسالة، و (الانموذج) اقتضبه من المفصل، و (أطواق الذهب) و (أعجب العجب في شرح لامية العرب) وله (ديوان شعر) .
وكان معتزلي المذهب، مجاهرا، شديد الإنكار على المتصوفة، أكثر من التشنيع عليهم في الكشاف وغيره. (انظر: الاعلام للزركلي، 7/ 178 - وفيات الأعيان، 2/ 81 - إرشاد الأريب، 7/ 147) .