فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 227

بموضوع الدرس نتناول شيئا من أصول الفقه من حيث طبيعة هذا العلم ووصايا لطالب العلم أو لطالب علم الأصول بالذات وشيئا مما يتعلق بهذا العلم فنقول -مستعينين بالله سبحانه تعالى ومستمدين التوفيق منه-: إن علم الأصول هو علم يساعد طالب العلم على الاستنباط الشرعي الصحيح للأحكام فهو يضبط لطالب العلم ويضبط للفقيه كيف يستنبط الحكم استنباطا صحيحا، وبغير هذه القواعد قد يتمكن مثلا بحكم سليقته العربية قد يتمكن، لكن هذه القواعد ضرورية جدا حتى يكون استنباطه مظنة الإصابة، فهو يبحث في الأدلة -الأدلة الإجمالية- بمعنى أن الكتاب حجة والسنة حجة والإجماع حجة، ثم يبحث أيضا في ترتيب هذه الأدلة إذا اجتمعت، ثم يبحث أيضا علم الأصول في كيفية استنباط الحكم، يعني كيفية عمل هذا الدليل.

إذا قلنا بأن السنة حجة مثلا يأتي الدلالات اللفظية اللي هي الأمر والنهي والعام والخاص كيف يستفاد من هذه الدلالة اللفظية في فهم الحديث فهما صحيحا، ثم يبحث أيضا في حال المجتهد اللي هو المستفيد وحال المقلد اللي هو المتلقي، فيبحث في أحوال هؤلاء جميعا؛ لأن الكلام عن الأحكام الشرعية لا ينبغي أن يتكلم فيه إلا من كان مؤهلا تأهيلا شرعيا.

ففي علم أصول الفقه حفظ للشريعة من أن تكون ألعوبة بيد إنسان غير مؤهل؛ فيحرم ما أحل الله ويحل ما حرم الله بدعوى مثلا إما التيسير أو المصلحة أو فتح باب الاجتهاد أو غيره، فهذا لا يمكن أبدا؛ لأن الكلام في مثل هذه الأمور لا بد أن يكون مربوطا وموزونا بميزان الشرع ومنطلقا من القواعد الأصولية.

ولهذا -أيها الإخوة الكلام- على الأحكام الشرعية وغيرها من علوم الشريعة، الكلام عليها من غير علم أمر خطير كما في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33) } [1] فنلاحظ أن الله -سبحانه وتعالى- قرن الشرك يعني قرن القول بغير علم، قرنه بالشرك وفي قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ} [2] فدل على أن الكلام مثلا من غير علم وصدور الكلام من إنسان غير مؤهل معناها أنه قد يكون افتراء على الله سبحانه وتعالى.

ثم -أيها الإخوة- علم الأصول له فوائد أخرى جانبية غير الفائدة الأساسية اللي هي إدراك القواعد، من فوائده أولا أن الإنسان يحيط بأسباب الخلاف وإذا أحاط بأسباب الخلاف علم أو أدرك أن خلاف الأئمة -رحمهم الله- في المسائل الفقهية مرده إلى خلاف في مسائل أصولية؛ فيعذرهم في ذلك ويزداد تقديرا لهم، وقد أشار إلى كثير من ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله -في رسالته رفع الملام على الأئمة الأعلام.

أيضا مما يفيده علم الأصول لطالب هذا العلم التروي والتثبت وعدم الاستعجال في إصدار الأحكام، فليس كل ما من أول إلماحة يصدر الحكم لا، بل لا بد من التروي والتثبت والنظر في الأمور ثم بعد ذلك إذا تبين له وجه الحق بعد ذلك كله كان يعني -إن شاء الله- حكمه مظنة الصدق ومظنة الإصابة؛ ولهذا -أيها الإخوة- الإمام أحمد -رحمه الله -سئل عن مسألة بم تخرج المطلقة من عدتها أو بم تنقضي عدة المطلقة؟ معلوم أن عدة المطلقة ثلاث حيض، إذا طلقها في طهر فإن الحيضة الأولى ثم الحيضة الثانية ثم الحيضة الثالثة على قول الجمهور، إذا اغتسلت من الحيضة الثالثة، ليس بمجرد الطهر، إذا اغتسلت من الحيضة الثالثة، الإمام أحمد -رحمه الله -قال: إذا اغتسلت من الحيضة الثالثة خرجت من العدة، لكن لو أنه انقطع الدم عنها أو ظهر الطهر ولم تغتسل فهي ما زالت في العدة، فإذا اغتسلت خرجت من العدة ـ الحيضة

(1) - سورة الأعراف آية: 33.

(2) - سورة النحل آية: 116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت