إلى التَّوحيدِ أنْ تَصرِفونا وتَمنَعونا منِ اتِّباعِ الدِّينِ الذي كانَ عَليهِ آباؤنا مِنْ غَيرِ دَاعٍ لتَركِه، فأتُونا بمُعجِزَةٍ ودَليلٍ خارقٍ على صحَّةِ دَعواكمْ.
قالتْ لهمْ رسُلهم: حقًّا إنَّنا بشَرٌ مِثلُكمْ في الصِّفاتِ الآدَميَّة، ولكنَّ اللهَ يَتفضَّلُ على عِبادٍ لهُ ويميِّزُهمْ بنِعَمٍ غَيرِ مَوجودَةٍ عندَ آخَرِين، وقدْ فضَّلنا عَليكمْ بأنْ أوحَى إلينَا بالنبوَّةِ وأمرَنا بتَبليغِ رسالتِهِ إليكم، ولا مَقدِرةَ لنا على الإتيانِ بالمُعجِزاتِ والخَوارقِ التي تَطلبونَها إلاّ بأمرِ اللهِ ومَشيئَتِه، فهوَ وحدَهُ الذي يَخلقُها ويُقَدِّرُها. وعلى اللهِ وحدَهُ فليَعتَمِدِ المؤمِنونَ إذا أرَادوا التوكُّلَ عَليه، فهوَ الذي يَحفظُهمْ مِنْ كَيدِ الأعداء، وشَرِّ الأشْرار.
قالتِ الرسُلُ عليهمُ السَّلام: وكيفَ لا نَتوكَّلُ على اللهِ رَبِّنا وقدْ هَدانا لدينِه، وبيَّنَهُ لنا بالحُجَّةِ والدَّليل، ويسَّرَ لنا الطَّريقَ إليه، فنحنُ على هُدًى ونُورٍ منه، وسَوفَ نَصبِرُ على أذِيَّتِكمْ وعِنادِكمْ وتَكذيبِكم، ولا نَضعُفُ ولا نَتراجَعُ عنِ الحقِّ الذي نحنُ عَليه، وعلى اللهِ وحدَهُ فليَعتَمِدِ المتوكِّلون، منَ المرسَلينَ والمؤمِنين، وعلى ذلكَ فليَثبتُوا.
وقالَ الكافِرونَ لرسُلِهمْ تَهديدًا وتَرْهيبًا: سنُخرِجُكمْ مِنْ ديارِنا، ومِنْ بينِ أظهُرِنا، أنتُمْ ومَنْ تَبِعَكم، أو لتَصيرُنَّ في مِلَّةِ الكُفرِ التي نَدينُ بها. فأوحَى اللهُ تعالَى إلى رسُلِه، ردًّا عَليهمْ وتَخييبًا لآمالِهم، وقَطعًا لمُجادلَتِهم: سنُهلِكُ الكفرَةَ الظَّالمين، لتَماديهمْ في البَغي والظُّلم، وإصرارِهمْ على الكفرِ والتَّكذيب.
ولَنُسكِنَنَّكمْ أرضَهمْ ودِيارَهمْ بعدَ إهلاكِهم. وهذا النصرُ لمَنْ آمنَ وخافَ مَقامَ ربِّهِ والوُقوفَ بينَ يَديهِ يومَ الحِساب، وخَشِيَ وعِيدَهُ بالعَذاب.
(تفسير للآيات 9 - 14 من سورة إبراهيم،) حتى قولهِ تعالى: {وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} (إبراهيم: 14)