قالَ ابنُ الجوزيِّ في"النواسخ": هذا وأمثالُهُ في بَيانِ آثارِ المعاصي، وليسَ منْ ضَرورةٍ ما عُلِّقَ بشَرطٍ أنْ يَقع. قالَ اللهُ تعالَى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15]
وقُلْ لهم: لو شَاءَ اللهُ ما أنزَلَ القُرآنَ عليّ، ولا قَرأتُهُ عليكم، ولا أعلَمَكُمْ بهِ بواسِطَتي، وقدْ قُمتُ بينَ ظَهْرانَيكمْ أربَعينَ عامًا قبلَ نُزولِهِ عليّ، ولم تُجَرِّبوا عليَّ كَذِبًا، ألا تُلاحِظونَ ذلكَ وتَتدبَّرونَه، لتَعلَموا أنَّهُ ليسَ منْ عندي، فأنا ما راجَعْتُ عالِمًا، ولا قرأتُ كِتابًا، ولا كتبتُ كلِمَة، وهذا كتابُ اللهِ البَليغُ المُعجِز، الذي احتوَى على ما لم تَعرِفوه، مِنْ أحكامٍ وتاريخٍ وقَصَصٍ وإخبارٍ بغَيبيّات ...
{قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يونس: 16]
إنَّ المُشرِكينَ إذا رأوْكَ تَقرأُ كتابَ الله، أَثْنَوا صُدورَهمْ وأحنَوا رُؤوسَهمْ حتَّى يَتهرَّبوا مِنْ سَماعِه، تَخَفِّيًا مِنَ الله! ولِما يَعتَرِيهمْ مِنْ قَلقٍ وحَيرَة، وكأنَّهم يُحِسُّونَ في دَاخلِهمْ أنَّ هذا كلامُ الله، ويَخشَونَ إنِ استَمَرُّوا على سَماعهِ أنْ يُسلِموا! ألا فليَعلَمْ هؤلاءِ الغافِلون، أنَّهمْ إذا مضَوا إلى فُرُشِهمْ لينامُوا، وتغَطَّوا بأستارِهم، وتَفكَّروا بما يَجري لهمْ في أعماقِهم، فإنَّ اللهَ ناظِرٌ إليهم، عالِمٌ بما يُخفُونَ، وسِرُّهمْ عندَهُ كظاهرِهِم، وهوَ سُبحانَهُ عليمٌ بما تُخفيهِ الصُّدور، لا يَخفَى عليهِ شَيء. كما في قولهِ تعالَى: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [هود: 5]