قالَ الكافِرونَ وهمْ مُستَمِرُّونَ في عِنادِهم: ما لِهذا الرَّسولِ يأكُلُ الطَّعامَ كما نَأكلُ نَحن، ويَمشي في الأسواقِ يَلتَمِسُ فيها التكسُّبَ والتِّجارَة، فهلاّ كانَ معَهُ مَلَكٌ مِنَ المَلائكةِ يًصَدِّقُهُ بما يَقول، ويُخبِرُ الناسَ أنَّهُ داعٍ صادِقٌ لدينِ الله، مُنذِرٌ مِنْ قِبَلِه؟
أو أنْ يَنْزِلَ عَليهِ كَنزٌ مِنَ السَّماءِ يُنفِقُ منه، ولا يَحتاجُ فيهِ إلى الترَدُّدِ إلى الأسوَاق. أو أنْ يَكونَ لهُ بُستانٌ يأكلُ منهُ ولا يَحتاجُ إلى العمَلِ فيه؟
وقالَ هؤلاءِ المشرِكون: إنَّكمْ إنِ اتَّبَعتُمْ محمَّدًا فلا تَتْبَعونَ سِوَى رَجُلٍ مَسَّهُ الجِنُّ فغُلِبَ على عَقلِه!
انظُرْ أيُّها النبيُّ كيفَ جَاؤوا بما يَكذِبونَ بهِ عَليك، وضرَبوا لكَ أمثالًا، وطلَبوا منكَ مَطالِب، واخترَعوا أقَاويل، فانحرَفوا عنِ الحقّ، وتحيَّروا، فلا يَستَطيعونَ مَعرِفةَ طَريقِ الهِدايَة، لاستِكبارِهمْ وعِنادِهم!
تعالَى اللهُ وجلَّتْ قُدرَتُه، فهوَ إنْ أرادَ أنشَأَ لكَ أفضلَ ممّا طلَبوهُ منك: بساتينَ خَضراءَ مَليئةً بأنواعِ الشَجَرِ والثَّمَر، تَجري مِن خِلالِها الأنهَار، ويَجعَلْ لكَ فيها قُصورًا عالِية.
لكنَّهمْ يَقولونَ ذلكَ عِنادًا وتَكذيبًا، وليسَ بغَرَضِ الإيمان، وإنَّ كفرَهمْ بيَومِ البَعثِ هوَ الذي يَحمِلُهمْ على تَكذيبِ ما جِئتَ به، وقدْ هيَّأنا لمَنْ كفرَ بيَومِ القِيامَةِ نارًا شَديدَةً تُسْعَرُ بهم.
(تفسير الآيات 7 - 11 من سورة الفرقان)
ثمّ قال سبحانه: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} (الفرقان: 20)
وما أرسَلنا قَبلكَ مِنَ الأنبِياءِ السَّابقينَ إلاّ كانوا بَشَرًا مثلَك، يأكُلونَ الطعامَ كما تأكُل، ويَمشونَ في الأسْواقِ للتِّجارَةِ والتكَسُّبِ كما تَفعَل، وليسَ هذا مُخِلاًّ بمَقامِ النبوَّة. وابتلَينا بَعضَكمْ ببَعضٍ لنَنظُرَ كيفَ تَعمَلون، ومَنْ يَنجَحُ في الاختِبار، فالفَقيرُ فِتنَةٌ للغَنيّ، والغَنيُّ فِتنَةٌ للفَقير، والصَّحيحُ فِتنَةٌ