فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 220

أي: قالَ الكافِرونَ في عِنادٍ واستِكبار، لا بقَصْدِ الإيمان: هلاّ أُنزِلَ على هذا الرسُولِ مَلَكٌ مِنَ الملائكةِ يُخبِرُهمْ أنَّهُ رسولٌ مِنْ ربِّه؟ وهمْ يَقصِدونَ المَلَكَ بصورتهِ الحقيقيَّة، وهذا ما لا يُمكن. ولو أنزلنا مَلَكًا كما هو، لتَمَّ أمرُ إهلاكِهم، بسبَبِ هولِ مَنظرِه، معَ ضَعْفِ ما همْ فيهِ منَ القوَّة. ثمَّ لا يُمْهَلونَ بعدَ إنزالهِ ومشاهدتهِ لِيُسَلِّموا بالأمرِ أو يَتوبوا، لأنَّ الموتَ يكونُ قدْ سبقَهم.

ومنْ وجهٍ آخر: إذا أنزلَ اللهُ المَلَكَ ولم يُؤمنوا أهلَكهم، ولم يُنْزِلْهُ تعالَى لئلاّ يَستَحِقُّوا هذا العَذاب.

قالَ الله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9]

أي: لو بَعثنا إليهمْ أحدَ الملائكة، ليكونَ نبيًّا مُرسَلًا إليهم، أو مُصَدِّقًا للنبيِّ المُرسَلِ إليهم، لجعَلناهُ في صُورةِ رَجُلٍ آدَميٍّ على شَاكلَتِهم؛ ليُنتَفعَ بهِ بما يُناسبُهم، ولو كانَ في صُورتهِ الأصليَّةِ لَما كانَ بالإمكانِ النظرُ إليهِ أصلًا، ولو جُعِلَ في صورةِ رَجُلٍ لالتَبَسَ عليهمُ الأمرُ وقالوا: ما هذا إلاّ بَشَر، وليس مَلَكًا، ثمَّ يَقولونَ في الرسالةِ ما يَقولونَ في رسالةِ الرسُولِ البَشَريّ.

وقالَ المشرِكونَ في تَعنُّتٍ وضَلالٍ دونَ أنْ يَقتَنِعوا بآياتٍ سَابقةٍ رأوها منَ الرسُولِ صلى الله عليه وسلم: هلاّ أُنزِلتْ عليهِ آيةٌ خارِقةٌ تكونُ دليلًا على نبوَّتِه؟

فقلْ لهمْ يا نبيَّ الله: إنَّ اللهَ قادرٌ على أنْ يُنزِّلَ آيةً خارقةً كما أنزلها مِنْ قبلُ على أنبياءَ سابقِين، ولا يُعجِزُهُ شيءٌ مِنْ ذلكَ وهوَ خالِقُ الكون، ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يَعلمونَ أسبابَ الإمهالِ والتأخِير، فلو أنَّهُ سُبحانَهُ أنزلها وفقَ ما طَلبوا ثمَّ لم يؤمِنوا لعاجلَهمْ بالعُقوبة، كما فعلَ بالأمَمِ السَّابقة. {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ} [سورة الإسراء: 59] .

وهو تفسيرٌ للآية: {وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 37]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت