وحَلَفَ المشرِكونَ حَلِفًا مؤكَّدًا أنَّهمْ إذا جاءَتهمْ مُعجِزةٌ كما اقترَحوها، ليُصَدِّقُنَّها ويؤمِنُنَّ بها. وقدْ سبَقَتْ مُعجِزاتٌ لهُ صلى الله عليه وسلَّم فلمْ يؤمِنوا بها، فكانَ غرضَهمُ التعنُّتُ والعِنادُ، لا الهدايةُ والإيمانُ كما قالوا، فقلْ لهمْ أيُّها النبيُّ: إنَّما المُعجِزاتُ والخوارِقُ منْ عندِ الله، إنْ شَاءَ أتَى بها وإنْ شَاءَ أمسَكَها، وليسَ لي منَ الأمرِ شَيء، فلا أقدِرُ على الإتيانِ بها مِنْ عندي. وأنتُمْ - أيُّها المؤمنونَ - ما يُدريكمْ لعلَّ المعجِزاتِ إذا جاءَتهمْ لا يُؤمِنونَ بها، فلا تُصَدِّقوهمْ ولو حَلَفوا. كما قالَ اللهُ تعالَى: {وَأَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 109]
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} (الفرقان: 32)
وقالَ المشرِكونَ تعَنُّتًا ولجاجَة: هَلاّ نزَلَ هذا القُرآنُ دُفعَةً واحِدَةً على محمَّدٍ كما نزَلَتِ الكتُبُ السَّابقَةُ على الأنبِياء، بدَلَ أنْ تَنزِلَ سُوَرٌ وآياتٌ مُتفَرِّقاتٌ بينَ مُدَّةٍ وأخرَى؟
وقَدْ نَزَّلناهُ مُتَفَرِّقًا لنُقَوِّيَ بهِ فؤادَك، وبيَّنَّاهُ وفَصَّلناهُ تَفصيلًا.
وقدْ أنزلَ اللهُ تعالَى القُرآنَ الكريمَ إلى السَّماءَ الدُّنيا جُملَةً واحِدً في ليلَةِ القَدْر، ثمَّ نزَلَ مُتَفَرِّقًا على رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم على مدَى ثلاثٍ وعِشرينَ سنَة، بحسَبِ الحوادِثِ والوقائع، وعندَ الحاجَةِ إلى مَعرِفَةِ الأحكام؛ ليَثبُتَ في القُلوب، وفيهِ تَيسيرٌ لحِفظِهِ وفَهمِ مَعانيه، وتَجديدٌ للإعجازِ وتَذكيرٌ به، ورَدٌّ على الطَّاعِنينَ والمُشَكِّكينَ والمُنافِقين، وفوائدُ أُخرَى.
{وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} (الفرقان: 33)