بمالِهِ وذاكَ بعمَلِه، وهذا بإدارَتِهِ وذاكَ بقوَّتِه، وكُلٌّ يَحتاجُ إلى الآخَر. وما أعدَّهُ اللهُ لعِبادِهِ المؤمِنينَ في الدَّارِ الآخِرَة، خَيرٌ مِنَ الأموَالِ وسائرِ مَتاعِ الدُّنيا، فالدُّنيا إلى زَوال، ورَحمَةُ اللهِ باقيَة.
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} (الأحقاف: 11)
وقالَ الكافِرونَ لمَنْ آمنَ مِنْ أصحابِك: لو كانَ القُرآنُ خَيرًا لم يَسبِقْنا إليهِ مَنْ بلَغَنا إسلامُهم - وكانوا يرَونَ فَضلَهمْ على أمثالِ صُهَيبٍ وبِلالٍ وعَمَّارٍ وغَيرِهمْ رَضيَ اللهُ عَنهم -. وبما أنَّهمْ لم يَهتَدوا بالقُرآنِ كما اهتدَى بهِ مَنْ أسلَم، فسيَطعَنونَ فيهِ ويَقولون: هوَ أساطيرُ الأوَّلين!
{أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} (يس: 77)
ألَا يَتفَكَّرُ الإنسَانُ في نَفسِهِ ليَعلمَ أنَّا خلَقناهُ مِنْ نُطفَةٍ صَغيرَةٍ حَقيرَة، فإذا هوَ يُخاصِمُ ويُجادِلُ بالباطِل، ويَجهَرُ بذلكَ مُعجَبًا بنَفسِهِ وبما يَقول؟!
{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} (يس: 78)
وضَرَبَ هذا الكافِرُ بالبَعثِ مثَلًا لنا، ونَسِيَ بَدْءَ خَلقِنا له، فجاءَ إلى الرسُولِ صلى الله عليه وسلم وفي يَدِهِ عَظْمٌ قَديم، ففَتَّتَهُ أمامَهُ وقالَ له: أتَزعُمُ أنَّ اللهَ يَبعَثُ هذا بَعدَما أَرِم؟
فقالَ لهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"نعَم، يَبْعَثُ اللهُ تعالَى هذا، ويُميتُك، ثمَّ يُحييك، ثمَّ يُدخِلُكَ نارَ جهنَّم". رواهُ الحاكمُ وصحَّحه.
{قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} (يس: 79)
قُلْ لهمْ أيُّها الرسُول: سيُحيي العِظامَ الذي أَوجدَها أوَّلَ مرَّةٍ وهيَ لا شَيء، وهوَ العَليمُ بجَميعِ المَخلوقات، وأجزائها وعِظامِها المُتَفتِّتةِ والمُتفَرِّقَةِ في أنحَاءِ الأرْض.