والمنافِقونَ يَخشَوْنَ أنْ تُنَزَّلَ سُورةٌ منَ القُرآنِ في شَأنِهم، تَفضَحُهمْ وتبيِّنُ ما في قُلوبِهمْ منَ الأسْرار، وما يَتداولونَهُ بينَهمْ منْ أقاويلِ الكُفرِ والنِّفاق، فقلْ لهم: استَهزِؤوا بما أنتُمْ مُستَهزِؤونَ به، وأسِرُّوا أقوالَكمْ حتَّى لا يَطَّلِعَ عليها أحَد، فإنَّ اللهَ سيُنزِلُ على رَسولهِ ما يَفضَحُكم به، ويبيِّنُ لهُ أمرَكم.
{يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} [التوبة: 64]
وإذا سألتَ المنافِقينَ عنْ سبَبِ قولِهمْ والدَّاعي إلى استِهزائهم، قالوا: إنَّما كنّا نَخوضُ في الكلامِ ونَلهو، قُلْ لهمْ أيُّها النبيّ: أبالله، وآياتِ كتابِه، ورَسولِه، كنتُمْ تَستَهزِؤونَ وتَتهكَّمون؟
{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [التوبة: 65]
وقالَ اللهُ تعالَى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النور: 11)
رافقَتْ عائشَةُ رَضيَ اللهُ عَنها رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم في غَزوَةٍ غَزاها، وعندَما رجعَ ودَنا مِنَ المَدينَة، وآذنَ ليلَةً بالرَّحيل، مَشَتْ هيَ حتَّى جاوَزَتِ الجَيشَ لتَقضِيَ حاجتَها. ولمَّا عادَتْ لمسَتْ صَدرَها فإذا عِقْدُها انقطَع. فرجعَتْ تَلتَمِسُه، فوجَدَتْهُ بعدَما استمَرَّ الجَيش، وعادَتْ إلى مَكانِها فلمْ تَجِدْ أحدًا هُناك. فنامَتْ وهيَ تَظُنُّ أنَّهمْ سَيَفقِدونَها ويَعودونَ إليها. وكانَ الصَّحابيُّ الجَليلُ صَفوانُ بنُ المُعَطَّلِ مِنْ وَراءِ الجَيش، فرَآها، فأناخَ لها راحِلتَهُ فرَكِبَتْها، وانطَلقَ يَقودُ بها الرَّاحِلَةَ حتَّى أتَوا الجَيش، فأشاعَ المُنافِقونَ أنَّهُ فعلَ بها! فبرَّأها اللهُ ممّا قالوا في آياتٍ أنزلَها في هذهِ السُّورَةِ مِنْ كتابِهِ الكريم.