بُخلاءُ بأبدَانِهمْ عندَ القِتال، وبقُلوبِهمْ في المَحبَّةِ لكم، وبأموالِهمْ في النفقَةِ والنُّصرَة. فإذا جاءَ الخَوفُ مِنْ قِبَلِ العَدوّ، وظَنُّوا أنَّ البأسَ سيَقعُ بهمْ كما يَقَعُ بغَيرِهم، رأيتَهمْ يَنظُرونَ إليكَ وأعينُهمْ تَدورُ مِنَ القَلقِ وشِدَّةِ الهَلَع، كنظَرِ المَغشيِّ عَليهِ مِنْ سَكراتِ المَوت، فإذا انجَلَى الخَوفُ وأَمِنوا، بسَطوا فيكمْ ألسِنتَهمْ السَّليطَةَ المُقذِعَة، وآذَوكمْ وانتَقَصُوكم، وهمْ بُخَلاءُ بالنفَقة، لكنَّهمْ حَريصونَ على أخذِ الغنائمِ معَ المُجاهِدينَ المُسلِمين!
فهؤلاءِ المُتَّصِفونَ بهذهِ الصِّفاتِ لم يؤمِنوا بإخْلاص، بلْ أظهَروا إيمانَهمْ أمامَ النَّاسِ وهمْ كافِرونَ في بَواطنِهم، ولذلكَ أبطلَ اللهُ أعمالَهمُ التي يُظَنُّ أنَّ فيها خَيرًا، وهذا أمرٌ سَهلٌ على الله، فإنَّهُ لا يُبالي بهمْ وقدْ خانُوا الدِّينَ والعَهد.
ومعَ أنَّ اللهَ خذَلَ الأحزابَ وهزَمَهمْ فرَحَلوا، إلاّ أنَّ المُنافِقينَ يَظنُّونَ أنَّهمْ لم يَذهَبوا! لجُبنِهمْ وخَوفِهم، وصُعوبَةِ تَصديقِهمْ أنْ يَنتَهيَ الأمرُ هكذا، ويَهرُبَ جميعُ الأحزابِ بدونِ حَربٍ تُذكَر! وظَنُّوا أنَّهمْ مُعَسكِرونَ قَريبًا منهم!
وإذا حدَثَ أنْ أتَتِ الأحزابُ مرَّةً أُخرَى، تمنَّوا لو أنَّهمْ كانوا خارِجَ المَدينَة، معَ الأعرابِ في الباديَة، يَسألونَ عنْ أخبارِكم، وما جرَى عَليكمْ مِنَ الأحزاب؛ خَوفًا وجُبنًا مِنْ أنْ يَشهَدوا حَربًا. ولو أنَّهمْ كانوا بينَكمْ لمَا قاتَلوا معَكمْ إلاّ قَليلًا، فلا تُبالُوا بهم، ولا تأسَوا عَليهم.
(تفسير للآيات 12 - 20 من سورة الأحزاب)
{أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ} (الحشر: 11 - 12)
ألمْ تَنظُرْ إلى المُنافِقينَ كيفَ يَتصرَّفون، ويَقولونَ لإخوانِهمْ في العَقيدَةِ مِنَ الكافِرينَ اليَهود: لئنْ أُخرِجْتُمْ مِنْ ديارِكمْ بالمدِينةِ لنَخرُجَنَّ مِنها معَكم، ونَصحَبَكمْ أينَما ذهَبتُم، ولنْ نَسمَعَ كلامَ أحَدٍ في غَيرِ مَصلحتِكمْ أبدًا، وإذا