قالَ لهمْ إبراهيمُ عَليهِ السَّلامُ لقَومِه: أفَرأيتُمْ هذهِ الأصَنامَ التي تَعكُفونَ على عِبادَتِها،
أنتُمْ وآباؤكمْ وأجدادُكمُ الأوَّلون،
فإنَّها عَدوٌّ لي، لا أعبُدُها ولا أُبالي بها، ولا أنتَظِرُ منها نَفْعًا، ولا أتوَقَّعُ منها ضُرًّا، فإذا كانتْ آلِهَةً حقًّا فَلْتَمَسَّني بسُوء. لكنَّ ربَّ العالَمينَ ليسَ كذلك، فهوَ وليِّي في الدُّنيا والآخِرَة، وهوَ الذي بيدِهِ الأمرُ كُلُّه، وأنا أعبدُهُ لأنَّهُ الإلهُ الحَقّ.
الإلهُ الذي خلَقَني، فهوَ يُرشِدُني إلى ما يُصلِحُني، ويَدُلُّني على طريقِ النَّجاة.
وهوَ الذي يَرزُقُني أنواعَ الطَّعامِ والشَّراب، وقدْ هَيَّأ ليَ الاستِفادَةَ منها بما يُناسِبُ طَبيعَتي وجِسمي.
وإذا قدَّرَ اللهُ أنْ مَرِضتُ، فهوَ الذي يُبرِئُني مِنَ المرَض، لا أحَدَ غَيرُه، وما الأدويَةُ والعِلاجاتُ سِوَى أسبَاب، إنْ شاءَ جعلَ فيها الشِّفاء، وإنْ لم يَشَأ لا يَكونُ شِفاء.
وهوَ الإلهُ القادِر، الذي يُميتُني في الدُّنيا، ثمَّ يَبعَثُني بعدَ المَوتِ يَومَ القيامَة، ولا يَقدِرُ على ذلكَ سِواه.
وهوَ الغَفورُ الرَّحيم، الذي أرجو أنْ يَغفِرَ لي ذُنوبي يَومَ الحِساب، فإنَّهُ لا يَغفِرُ الذُّنوبَ إلاّ هو.
وما كانَ استِغفارُ إبراهيمَ لأبيه، بقولهِ: {وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ} [سورة الشعراء: 86] بأنْ يَهدِيَهُ للإيمان، إلاّ عنْ مَوعِدٍ وَعَدَ بهِ إبراهيمُ أباهُ بقَولهِ: {لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} [سورة الممتحنة: 4] فلمّا تَبيَّنَ لإبراهيمَ أنَّهُ استمرَّ في عَداوتهِ للهِ حتَّى ماتَ كافِرًا، قطعَ الصِّلةَ التي بينَهُ وبينَهُ، وتركَ الاستغفارَ له، إنَّ النبيَّ إبراهيمَ كثيرُ التضرُّعِ والدُّعاء، كثيرُ الصَّبرِ على أذَى الناس، صَفُوحٌ عنهم.