فسَقَى موسَى لهما رَحمَةً بهما، ثمَّ مضَى إلى ظِلِّ شَجَرَةٍ مِنْ شِدَّةِ الحَرّ، وناجَى ربَّهُ قائلًا: اللهمَّ إنِّي فَقيرٌ مُحتاجٌ إلى نِعمَتِكَ وفَضلِك.
ورجَعَتْ إحدَى الفَتاتَينِ إلى موسَى عَليهِ السَّلامُ وهيَ تَمشي في حَياءٍ وقالَتْ له: إنَّ أبي يَطلُبُ منكَ المَجيءَ إليهِ ليُعطيَكَ أُجرَةَ سَقيك. فمضَى إليه، وسردَ عَليهِ ما جرَى لهُ في مِصر، وقَتْلَهُ القِبطيَّ، فقالَ له: لا تَخَف، لقدْ أنقَذَكَ اللهُ مِنْ قَومِ فِرعَونَ الكافِرينَ المُعتَدين.
والمَشهورُ أنَّ ذلكَ الرجُلَ هوَ شُعَيبٌ عَليهِ السَّلام، وذكرَ بَعضُهمْ أنَّهُ غَيرُه.
قالَتْ إحدَى الفَتاتَينِ لأبيها: يا أبتِ، اتَّخِذْهُ أجيرًا ليَرعَى أغنامَنا ويَقومَ بأمرِها، فإنَّهُ قَويٌّ أَمين، وإنَّ خَيرَ مَنِ استُؤجِرَ مَنْ جمَعَ بينَ القُدرَةِ والأمانَة.
قالَ صاحبُ"تيسيرِ الكريمِ الرحمنِ في تَفسيرِ كلامِ المنَّان": وهذانِ الوَصفانِ يَنبَغي اعتبارُهما في كُلِّ مَنْ يَتوَلَّى للإنسَانِ عمَلًا، بإجارَةٍ أو غَيرِها، فإنَّ الخَللَ لا يَكونُ إلاّ بفَقدِهما، أو فَقدِ أحَدِهما، وأمّا باجتِماعِهما فإنَّ العمَلَ يَتِمُّ ويَكمُل. اهـ. يَعني القوَّةَ والأمانة.
قالَ والِدُ الفَتاةِ لموسَى عَليهِ السَّلام: إنِّي أُريدُ أنْ أُزَوِّجَكَ إحدَى ابنتَيَّ اللَّتَينِ رأيتَهما، على أنْ تَعمَلَ أجيرًا عِندي ثماني سَنوات، فإذا أكمَلتَها عَشرًا فهوَ تَفضُّلٌ منك، ولا أُريدُ أنْ أُكَلِّفَكَ بما لا تُطيق، وستَجِدُني إنْ شاءَ اللهُ حسَنَ المُعامَلة، وافِيًا بالعَهد.
قالَ لهُ موسَى عَليهِ السَّلام: ذاكَ الشَّرطُ بيني وبَينَك، وأيَّ الأجلَينِ أتمَمْتُ، الثَّمانيَ أو العَشْرَ، فلا حرَجَ عَليّ، واللهُ شَهيدٌ على ما تعاهَدنا عَليه.
(تفسير للآيات 23 - 28 من سورة القصص)
قالَ فرعونُ لموسى عليه السلام، وقد أوحَى الله إليه، بعدَ إيابهِ من مَدين، ودخلَ إلى فرعَونَ يَدعوه:
{قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} (الشعراء: 18)
{وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ}