فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 220

وذلكَ العبدُ هوَ الخَضِرُ عليهِ السَّلام، آتَاهُ اللهُ النبوَّة، كما هوَ عندَ جُمهورِ العُلَماء، وعَلَّمَهُ عِلمًا خاصًّا، لا يُعلَمُ إلاّ مِنْ جِهَتهِ سُبحانه. ولعَلَّهُ عِلمُ الإخبارِ بالغُيوب.

فالتقاهُ موسَى عليهِ السَّلام، وقالَ لهُ بأدَبِ الأنبياءِ والعُلَماء: هَلْ تَسمَحُ لي أنْ أُرافِقَكَ على أنْ تُعَلِّمَني ممّا وهَبَكَ اللهُ مِنَ العِلمِ الرَّاشِد، الذي تُصيبُ بهِ خَيرًا؟

قالَ لهُ الخَضِرُ عَليهِ السَّلام: إنَّكَ لا تَقدِرُ على صُحبَتي، فستَرَى منِّي ما تَكرَهُ في شَريعَتِك، وأنا على عِلمٍ لمْ يُعَلِّمْكَ اللهُ إيّاه.

وكيفَ تَصبِرُ على شَيءٍ لا يُحيطُ بهِ عِلمُك، وتَسكتُ على تَركِ الإنكارِ ممّا يُخالِفُ الشَّرع؟

قالَ لهُ موسَى عَليهِ السَّلام: ستَجِدُني صابِرًا معَكَ إنْ شاءَ الله، غَيرَ مُعتَرِضٍ عَليك، مُلتَزِمًا بما تَقول.

قالَ الخَضِر: فإذا تَبِعتَني فلا تَعتَرِضْ على أفعَالي، ولا تُناقِشني في شَيءٍ حتَّى أُفَسِّرَهُ لك.

فانطَلقَ موسَى والخَضِرُ عَليهِما السَّلامُ يَمشيانِ على ساحِلِ البَحر، فمرَّتْ سَفينَة، فرَكِباها، فثقبَها الخَضِرُ، بأنْ قلعَ لوحًا منها، فقالَ لهُ موسَى: أخرَقْتَ السَّفينَةَ لتُغرِقَ مَنْ فيها؟ لقدْ فعَلتَ فِعلًا مُنكَرًا.

قالَ لهُ الخَضِرُ مُذَكِّرًا: ألمْ أقُلْ لكَ إنَكَ لا تَستَطيعُ الصَّبرَ معي؟

قالَ موسَى عليهِ السَّلام: لا تؤاخِذني بنِسياني ما اتَّفَقنا عَليهِ منْ عدَمِ الاعتِراضِ عَليك، ولا تُكَلِّفْني مشَقَّة، ولا تُشَدِّدْ عَليّ، وعامِلْني باليُسر.

فقَبِلَ الخَضِرُ عُذْرَه، فنزَلا مِنَ السَّفينَة، وانطَلقا يَمشِيانِ على السَّاحِل، حتَّى إذا لَقِيا غُلامًا، كانَ يَلعَبُ معَ أمثالِه، لم يَكنْ فيهمْ أحسَنُ ولا أنظَفُ منه، فقتَلَهُ الخَضِر، فقالَ لهُ موسَى عليهِ السَّلام: أقَتَلْتَ نَفسًا صَغيرَةً طاهِرَةً مِنَ الذُّنوبِ لم تَقتُلْ نَفسًا يُوجِبُ قَتلَها؟ لقدْ قُمتَ بعَمَلٍ تُنكِرُهُ العُقول، وتَنفِرُ عَنهُ الطَّبائع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت