وشَياطينَ آخَرينَ مَشدُودينَ في الأغلالِ والقُيود، ممَّنْ تمرَّدُوا وامتنَعُوا مِنَ العمَل، أو أسَاؤوا فيهِ ولم يُتقِنُوه.
هذا عَطاؤنا لكَ ممَّا سَألتَهُ يا سُلَيمان، فأعطِ منهُ مَنْ شِئت، وامنَعْهُ مَنْ شِئت، لا حرَجَ عَليكَ في ذلكَ ولا حِساب.
(خبرهُ في الآيات 36 - 39 من سورة ص)
{وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} (النمل: 17)
أي: جُمِعَ لسُلَيمانَ عَساكِرُهُ مِنَ الأماكنِ المُختَلِفَةِ لمَسيرِه، مِنَ الجِنِّ والإنسِ والطَّير، فهمْ مُجتَمِعونَ مَصطَفُّونَ عندَه، لا يَتقَدَّمُ أحَدٌ على مَرتَبةِ الآخَرِ ولا في المَسيرِ عَليه.
{حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} : حتَّى إذا مرَّ معَ جَيشِهِ بوادِي النَّمل، قالَتْ نَملَةٌ مُخاطِبَةً نَملًا منْ جِنسِها بلُغَتِها: ادخُلوا مَساكِنَكمْ حتَّى لا يَحطِمَكمْ سُلَيمانُ وجُنودُهُ وخيولُهُ دونَ أنْ يَشعُروا بذلك.
فسَمِعَ سُلَيمانُ ما قالَتِ النَّملَة، وتبَسَّمَ سُرورًا بما فَهَّمَهُ اللهُ مِنْ كلامِها، وقالَ في عُبوديَّةٍ وخُشوع: اللهمَّ ألهِمني أنْ أشكُرَ نعمتَكَ التي منَنْتَ بها عَليّ، مِنَ النبوَّةِ والمُلْكِ وتعَلُّمِ مَنطِقِ الحيَوان، ونِعمتَكَ على والدَيَّ بالإيمانِ والإسْلام، ووَفِّقني لأقومَ بالأعمالِ الحسَنَةِ التي تُحِبُّها وتَرضَى بها، وأدخِلني في جُملَةِ الصَّالِحينَ مِنْ عِبادِكَ إذا توفَّيتَني، واحشُرني في زُمرَتِهم.
وبحثَ سُليمانُ عنِ الطَّير، وطلبَ ما فُقِدَ منها، فلمْ يرَ مِنْ بينِها الهُدْهُد، فقال: ما لي لا أرَى الهُدْهُد، أمْ أنَّهُ غابَ مِنْ غَيرِ إذني؟
والهُدْهُدُ طائرٌ ذَكيٌّ حَذِر، سَريعُ المُلاحظَة، قَويُّ الذَّاكِرَة، واسِعُ الحِيلَة، ويُكْنَى بأبي الأخبار. ولا يَجوزُ قَتلُه، كما جاءَ في حَديثٍ صَحيح.
قال: لأُؤَدِّبَنَّهُ بما يَستَحِقُّ لعَدَمِ طاعَتِه، كنَتْفِ ريشِه. أو لأَذبَحَنَّه، أو ليَأتيَنِّي بعُذرٍ واضِحٍ مَقبُول.