فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 220

فأقامَ الهُدْهُدُ زَمانًا يَسيرًا، ثمَّ جاءَ إلى نبيِّ اللهِ سُلَيمانَ وقالَ له: لقدِ اطَّلَعتُ على ما لمْ تطَّلِعْ عَليه، وجِئتُ لكَ مِنْ مَملكَةِ سبَأَ بخبَرِ صِدْقٍ وحَقّ.

لقدْ وجَدْتُ امرأةً - هيَ بَلْقِيسُ - تَحكُمْ قَومَها، وقدْ أُوتيَتْ كُلَّ ما يَحتاجُ إليهِ المُلوك، ولها سَريرٌ كبيرٌ جِدًا تَجلِسُ عَليه، مُزَخرَفٌ بأنواعِ الجوَاهِرِ واللَّآلِئ.

وجَدتُها وقَومَها يَسجُدونَ للشَّمسِ في عِبادَتِهمْ مِنْ دُونِ عِبادَةِ اللهِ وحدَه، وقدْ حسَّنَ الشَّيطانُ الأعمالَ الشِّركيَّةَ في قُلوبِهم، فمنعَهمْ بذلكَ مِنْ طَريقِ الحَقِّ والصَّواب، فهمْ لا يَهتَدونَ إليها.

منعَهمْ مِنْ ذلكَ لئلاّ يَسجُدوا للهِ تعالَى، الإلهِ الحَقِّ العالِمِ بالخَفِيَّات، الذي يُظهِرُ المَخبوءَ المَكنونَ ممّا في السَّماءِ والأرْض، وهوَ الذي يَعلَمُ ما تُسِرُّونَ ممَّا في قُلوبَكم، وما تُعلِنونَهُ مِنْ خِلالِ أقوالِكمْ وأعمالِكم، ويُجازي كُلاًّ بما يَستَحِقّ.

هوَ اللهُ الذي لا مَعبودَ بحَقٍّ سِوَاه، فلا يُعبَدُ إلاّ هو، رَبُّ العَرشِ العَظيم، أعظَمِ المَخلوقات.

قالَ سُليمانُ عَليهِ السَّلامُ للهُدْهُد: سنتَحرَّى ونتثَبَّتُ ممّا ذَكرتَه، أصدَقْتَ فيما أخبَرتَ به، أمْ أنَّكَ كاذِبٌ فيه؟

وهذا اختِبارٌ لكَ فيما زَعَمت، اذهَبْ برِسالَتي هذهِ إلى المَلِكَةِ وقَومِها وألْقِها إليهم، ثمَّ تنَحَّ عَنهُم، وكُنْ قَريبًا منهم، وانظُرْ بماذا يُجيبون؟

ووَقعَتِ الرِّسَالَةُ بينَ يَدَيها، فتعَجَّبَتْ ممَّا فيها، وقالَتْ لمَنْ حَولَها مِنْ أصحابِ الرأي ووُجهاءِ القَوم: أيُّها السَّادَةُ والأُمرَاء، لقدْ أُلقِيَتْ إليَّ رِسالَةٌ مَختومَة، عاليَةٌ وقَديرَةٌ في شَكلِها ومَضمونِها!

إنَّها مِنَ النبيِّ المَلِكِ سُلَيمانَ بنِ داود، وإنَّ فيها: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أي: أبدأُ بسمِ اللهِ ذي الرحمَةِ الواسِعَة، ورحمتُهُ بالمؤمنينَ خاصَّة.

وفيها: لا تَمتَنِعوا ولا تَتكَبَّروا عَليَّ كما يَفعَلُ جَبابِرَةُ المُلوك، وَأْتُوني مُسلِمينَ موَحِّدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت