ثمَّ خاطَبَتْهُمْ بقَولِها: أيُّها السَّادَةُ والوجَهاء، أشيروا عَليَّ بما عِندَكمْ مِنَ الرأي والتَّدبيرِ فيما عُرِضَ عَليَّ مِنْ هذا الأمر، فما كنتُ قاضِيَةً وفاصِلَةً في شَأنٍ حتَّى تَحضرُوني وتُشيروا عَليّ.
قالوا لها: نحنُ أصحابُ قُوَّةٍ في الأجساد، وكَثرَةٍ في الأعدَاد، وأصحابُ نَجدَةٍ وشَجاعَةٍ وبَلاءٍ في القِتال، ونحنُ جاهِزونَ للحَربِ إذا أرَدتِ أيَّتُها المَلِكَة، والكلِمَةُ الأخيرَةُ لكِ، فَأْمُرينا بما تَرَيْنَ مِنَ الصُّلحِ أو الحَرب، فنحنُ مُطيعونَ لأمرِكِ.
قالتِ المَلِكَة: إنَّ المُلوكَ إذا دخَلوا بلَدًا عُنوَةً أفسَدوهُ وخرَّبوه، وقصَدوا مَنْ فيهِ مِنَ الحُكَّامِ والأشرَافِ والجُنودِ فأهانوهُمْ غايَةِ الهَوان، إمَّا بالقَتلِ أو بالأسر، ليَستَقيمَ لهمُ الأمر. وكما قالَتِ المَلِكَة، فإنَّهمْ يَفعَلونَ ذلك.
فلجأتْ إلى المُهادَنَةِ والمُصانعَة، وقالَتْ لقَومِها: سأبعَثُ إليهمْ بهَديَّةٍ كبيرَةٍ تُناسِبُ المُلوكَ الكِبار، فلعَلَّهُ يَقبَلُها ويَكفُّ عنَّا، وسأرَى ما الذي يَكونُ جوابُهُ عنْ طَريقِ رسُلي.
فلمَّا جاءَ رَسولُها سُلَيمان، وسلَّمَ الهَديَّةَ إليه، قالَ له: أتُصانِعونَني بالمالِ لأترُكَكمْ وشِركَكم؟ فإنَّ الذي وهَبَني اللهُ مِنَ النبوَّة، وأنعَمَ عليَّ بالمُلكِ والمالِ والجُنود، هوَ أعظَمُ وأفضَلُ ممّا أنتُمْ فيه، بلْ إنَّ هِمَّتَكمْ في الدُّنيا والفرَحِ بزينَتِها والتفاخُرِ بها، والانقِيادِ للهَدايا والتُّحَفِ فيها، ولستُ على ما تَظنُّونَ مِنْ ذلك، ولا أقبَلُ منكمْ إلاّ الإسْلامَ أو السَّيف.
ارجِعْ إليهمْ بالهَديَّةِ أيُّها الرَّسُول، فسَوفَ نأتيهمْ بجَيشٍ لا طاقَةَ لهمْ بمُقاوَمَتِه، وسنُخرِجُهمْ مِنْ سبأَ مُهانينَ بعدَ أنْ كانوا في عِزٍّ وتَمكين، أسرَى ومَستَعبَدين، إذا لم يأتُوني مُسلِمين.
فرجعَ الرَّسولُ إلى المَلِكَةِ بما قالَ سُلَيمانُ عليهِ السَّلام، فعَرَفَتْ أنَّهُ لا طاقةَ لها ولقَومِها به، فتوَجَّهتْ إليهِ في أتبَاعِها ووُجهاءِ قَومِها، وبعثَتْ إليهِ أنَّها قادِمَةٌ لتَنظُرَ في أمرِه، وما يَدعو إليهِ مِنْ دِين.