وقالَ سُليمانُ عَليهِ السَّلامُ لمَنْ تحتَ يَدِه: مَنْ يأتيني بعَرشِ بَلقِيسَ قبلَ أنْ يَصِلوا إليَّ مؤمِنينَ طائعِين؟ وهذا لاختِبارِ عَقلِها، وإراءَتِها بعضَ الخَوارِقِ الدالَّةِ على صِدْقِ نبوَّتِه.
قالَ مارِدٌ قَويٌّ مِنَ الجِنّ: أنا آتِيكَ بعَرشِها قبلَ أنْ تَقومَ مِنْ مَجلسِك، ولي قوَّةٌ على حَمْلِ عَرشِها الكبير، ولنْ أُبَدِّلَ منهُ شَيئًا، ولا آخُذُ مِنْ جَواهرِه.
قالَ سُلَيمانُ عَليهِ السَّلام: أُريدُ أعجَلَ مِنْ ذلك. فقالَ واحِدٌ مِنْ بَني إسْرائيلَ لهُ عِلمٌ مِنَ الكِتاب: أنا آتيكَ بسَريرِها قَبلَ أنْ يَنضَمَّ جَفْنُ عَينِكَ بعدَ فَتحِه!
فلمْ يَشعُرْ سُلَيمانُ إلاّ وسَريرُ مُلْكِها يُحمَلُ بينَ يَدَيه! فلمَّا رآهُ ماثِلًا عندَهُ على حالِه، قالَ في خَضوعٍ وخُشوع: إحضارُ السَّريرِ في هذهِ المُدَّةِ المُتناهيَةِ في القِصَر، مِنْ فَضلِ اللهِ ونِعمَتِهِ عَليّ، وليَختَبِرَني: أأشكُرُ فضلَهُ على ذلكَ وأعتَرِفُ بأنَّهُ مِنْ مِنَّتِهِ وحُسنِ تَدبيرِهِ ولُطفِه، أمْ لا أشكرُهُ عَليه؟
ومَنْ شكَرَ اللهَ على نِعَمِهِ فإنَّما يَنفَعُ نفسَهُ بذلك، لأنَّهُ يُعَرِّفُها الحَقّ، ويَستَجلِبُ لها المَزيدَ مِنَ الخَيرِ والنَّفع، ومَنْ لم يَشكُرْ، فإنَّ اللهَ غَنيٌّ عنْ شُكرِه، وعنْ عبادَةِ النَّاسِ وشُكرِهمْ أجمَعين. وهوَ سُبحانَهُ كَريم، فيُنعِمُ على مَنْ لم يَشكُرْهُ أيضًا، ولا يُعَجِّلُ في عُقوبَتِهم.
قالَ سُلَيمانُ للصُّنُعَةِ الماهِرينَ مِنْ حَولِه: غَيِّروا بعضَ صِفاتِ سَريرِ المَلِكَةِ لنَختَبِرها بذلك، ونَنظُرَ هلْ تَعرِفُ أنَّهُ عَرشُها، أمْ أنَّها لا تَهتَدي إلى ذلك؟
فلمَّا وصلَتْ عُرِضَ عَليها عَرشُها، وقدْ غُيِّرَ ما فيه، وقيلَ لها: أمِثْلَ هذا السَّريرِ كانَ سَريرُكِ الذي كُنتِ تَجلِسينَ عَليهِ في مَملكَتِك؟ قالَتْ وقدْ نظَرَتْ فيه، وكانتْ صاحِبَةَ عَقلِ وذَكاء: إنَّهُ يُشبِهُهُ ويُقارِبُه، حتَّى كأنَّهُ هو! قالَ سُليمانُ عليهِ السَّلام، أو قالَ هوَ وقَومُه: وأُوتِينا نحنُ العِلمَ بِاللهِ وقُدرَتِهِ مِنْ قَبلِ هذهِ المرأة، أو قَبلَ عِلمِها، وكنَّا مُؤمِنينَ قَبلَها.
قالَ اللهُ تَعالَى ما مَعناه: ومنَعَها مِنَ الإيمَانِ ما كانتْ تَعبدُ مِنْ دونِ الله، لأنَّها كانتْ مِنْ قَومٍ راسِخينَ في الكُفر.