ذلكَ هوَ عَبدُ اللهِ ورَسُولُهُ عيسَى بنُ مَريَم، قَولَ الحَقِّ والصِّدْقِ الذي يَشُكُّ فيهِ النَّاسُ ويَختَلِفون، فمِنْ قائلٍ يَقول: إنَّهُ كاذِبٌ وساحِر، وآخَرَ يَقول: إنَّهُ إلهٌ أو ابنُ إله، وما هوَ إلاّ نَبيٌّ كسائرِ الأنبياء، عَليهمُ الصَّلاةُ والسَّلام.
ما صَحَّ وما استَقامَ أنْ يَجعَلَ اللهُ لنَفسِهِ ولَدًا، وليسَ هذا مِنْ صِفَتِه، سُبحانَه، تقَدَّسَ وتنَزَّهَ عمَّا افتَراهُ النَّصارَى عَليه، إنَّما شَأنُهُ إذا أرادَ إحداثَ أمرٍ أنْ يَقولَ لهُ كُنْ، فيَكونُ كما يُريد.
ومِنْ تَمامِ قَولِ عيسَى عَليهِ السَّلامُ في المَهد: إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم، فكُلُّنا مَخلوقُون، ولهُ عَبيد، فاعبُدوهُ وأطيعُوه، ووَحِّدوهُ ولا تُشرِكوا بهِ شَيئًا، وهذا التَّوحيدُ هوَ الطَّريقُ القَويمُ الذي يَجِبُ أنْ تتَّبِعوه.
فاختلَفَ اليَهودُ والنَّصارَى فيهِ وصاروا فِرَقًا وأحزابًا، وانحرَفَ مُعظَمُهمْ عنِ الحَقّ، وبدَّلوا تَعاليمَ المَسيحِ عَليهِ السَّلام، فالوَيلُ والهلاكُ للكافِرينَ منْ يَومِ الهَولِ والعَذاب.، كما قالَ سبحانه:
{فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (مريم: 37)
(تفسير من سورة مريم، الآيات 16 - 37)
ولمّا استَشعرَ نبيُّ اللهِ عيسَى من اليهودِ الإصرارَ على الكفرِ والمُضيَّ في الضَّلال، وأرَادوا قَتلَه، قالَ للنَّاس: مَنْ يتَّبِعُني في دِينِ اللهِ ويُناصِرُني في الدعوةِ إليه؟
فقالَ الحواريُّون، وكانوا صَفوةَ بني إسرائيل: نحنُ أعوانُ دِينِ اللهِ ورَسولِه، نُؤازِرُكَ ونَنصُرُك، فقدْ آمنَّا باللهِ ربًّا، وبكَ رسولًا، فاشهدْ على أنَّنا استَسلَمنا لأمرِ الله، وأخلَصنا لهُ الدِّين.
قالَ اللهُ تعالَى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ آَمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:52] .