شَنيعًا، وقالوا: إذا لم يُدرِكنا ربُّنا برحمتهِ وعَفوِه، ويَتجاوَزْ عنْ خَطئنا ويتُبْ علينا، لنكونَنَّ منَ الهالِكين.
ولمَّا رجعَ موسَى عليهِ السلامُ مِنْ مناجاةِ ربِّه، وقدْ أخبرَهُ سبحانَهُ بما صَنعَ قومهُ مِنْ بعدِه، غَضِبَ غَضَبًا شَديدًا، وقالَ لهم: بئسَ الذي فَعلتُموهُ مِنْ عبادةِ العِجلِ في غيبَتي، فهلِ استعجلتُمْ بهذا عقوبةَ اللهِ ونِقمتَهُ بكم؟!
وألقَى ألواحَ التوراةِ التي جاءَ بها على الأرضِ مِنْ شدَّةِ غَضَبهِ على قَومِه، واتَّجهَ إلى أخيهِ هارونَ وكانَ نائبَهُ في القَومِ، وأخذَ بشَعرِ رأسهِ يَجُرَّهُ نحوَه، وهوَ يظنُّ أنَّهُ قَصَّرَ في نَهيهم، فأجابَهُ عليهِ السَّلامُ بأنَّهُ غُلِبَ على أمرِه، وقال: يا أخي، لقدِ استذلَّني عبَدَةُ العِجلِ ولم يُبالوا بي، لِقلَّةِ مَنْ بقيَ معي وأيَّدَني عليهم، حتَّى همُّوا أنْ يَقتلوني لمِا بَذلتُ منْ نُصحٍ في نَهيهمْ عنْ ذلك، فلا تأخُذْ بشعرِ رأسي ولا تَغضَبْ عليَّ حتَّى لا تُسِرَّ الأعداءَ وتُفرِحَهمْ بذلك، ولا تَجعلني في عِدادِ الظَّالمينَ المُجرِمين، ولا تَخلِطْني بهم.
قالَ موسَى عليهِ السَّلامُ داعيًا ربَّهُ لمّا تبيَّنَ عُذْرُ أخيه: اللهمَّ اغفرْ لي ما صَنعتُ بأخي واتَّهمتُهُ به، وتجاوَزْ عنهُ إنْ كانَ قدْ قَصَّر في الإنكار، وأدخِلنا في رَحمتِكَ الواسِعَةِ في الدُّنيا والآخِرَة، فأنتَ أرحمُ مَنْ رَحِم.
إنَّ الذينَ اتَّخذوا العِجلَ إلهًا لهمْ يَعبُدونَهُ مِنْ دونِ الله، سيَلحَقُهمْ غَضَبُ اللهِ وعُقوبتُه، وذِلَّةٌ واستِكانةٌ إلى يَومِ القِيامة، كما أغضَبوا ربَّهمْ واستهانوا بأمرِه، وهذا هوَ جزاءُ الكاذِبينَ على الله، المفتَرينَ على دينِه.
والذلُّ هوَ هزائمُهمْ وما تعرَّضوا لهُ مِنْ قَتل، وضُرِبَ عليهمْ مِنْ جِزية، وعاشوا تحتَ حُكمِ الآخَرين.
وقالَ صاحبُ الظِّلال: علمَ اللهُ أنَّ الذينَ اتَّخذوا العِجلَ لنْ يَتوبوا توبةً مَوصولة، وأنَّهمْ سيَرتكِبونَ ما يُخرِجُهمْ مِنْ تلكَ القاعِدة، وهكذا كان، فقدْ ظلَّ بَنو إسْرائيلَ يَرتَكِبونَ الخطيئةَ بعدَ الخطيئة، ويُسامِحُهمُ اللهُ المرَّةَ بعدَ المرَّة، حتَّى انتَهَوا إلى الغضَبِ الدائم، واللَّعنةِ الأخيرةِ.