قوله تعالى: {فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} [1] معناه: فمال عليهم يضربهم ضربا، وإن شئت كان انتصاب «ضربا» على الحال، كقولك: أتيته مشيا، أى ماشيا، ومثله: {ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا} [2] أى ساعيات.
و {بِالْيَمِينِ} فيه قولان: قيل باليد اليمنى، وقيل بالقوّة، وأنشدوا قول الشّماخ [3] :
إذا ما راية رفعت لمجد … تلقّاها عرابة باليمين
قالوا: أراد بالقوّة، كما جاء في التنزيل: {خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ} [4] .
ويجوز أن يراد باليمين في الآية القسم، وتكون الباء بمعنى لام العلّة، أى مال عليهم يضربهم لليمين التى حلفها، وهى قوله: {وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ} [5] ونظير وضع الباء في موضع اللام وضعها في قوله تعالى: {فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ} [6] أى فلنقضهم.
(1) سورة الصافات 93.
(2) سورة البقرة 260، وقد حكى هذا والذى بعده، عن ابن الشجرىّ، الزركشىّ في البرهان 3/ 204.
(3) ديوانه ص 336، وهذا بيت دائر في كتب العربية.
(4) سورة البقرة 63.
(5) سورة الأنبياء 57. وهذه التأويلات الثلاثة لليمين، لأبى على الفارسى، ذكرها في الحلبيات ص 29، وحكاها عنه ابن جنى، في الخصائص 3/ 249،250، وذكر أن أبا على حدّثه بذلك سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. وهى السنة التى قدم فيها أبو علىّ حلب، كما ذكر ابن خلكان في الوفيات 2/ 80. فأنت ترى أن الكتب يصدّق بعضها بعضا.
(6) سورة النساء 155، والمائدة 13، وانظر ما يأتى في المجلس السابع والستين والذى بعده، فقد تلا ابن الشجرىّ الآية هناك، شاهدا على زيادة الباء.