وقال في قوله تعالى، في سورة الحجر: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ.}
{اُدْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ. وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا} [1] : إخوانا حال من {الْمُتَّقِينَ} ، أو من الضمير المرفوع فى {اُدْخُلُوها} ، أو من الضّمير فى {آمِنِينَ} ، ويجوز أن يكون حالا مقدّرة من الهاء والميم فى {صُدُورِهِمْ} [2] .
وأقول: إنّ «إنّ» ليست من الحروف التى تنصب الأحوال، كما تنصبها «كأنّ» في نحو: كأنّ زيدا محاربا أسد، لما في «كأنّ» من التشبيه الذى ضارعت به الفعل، ولكن يجوز أن يكون قوله: {إِخْوانًا} حالا من المضمر في الظّرف الذى هو خبر «إنّ» ؛ لأنه ظرف تامّ [3] ، والظّروف التّوامّ تنصب الأحوال؛ لنيابتها عن الاستقرار أو الكون، فالتقدير: إنّ المتّقين مستقرّون في جنّات. وجاز أن يكون {إِخْوانًا} حالا من هذا الضمير على ضعف، وذلك لبعد الحال منه؛ لأن مجموع هذه الآيات تشتمل على ثلاث جمل: الأولى {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ} ، والثانية: {اُدْخُلُوها بِسَلامٍ} ، والثالثة: {وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} فإن جعلت {إِخْوانًا} حالا من الواو فى {اُدْخُلُوها} فهى حال مقدّرة [4] لقوله: {عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ} ؛ لأنهم لا يدخلونها وهم متقابلون على سرر، وإنما يكون ذلك بعد الدخول، فالتقدير: مقدّرين التّقابل على سرر، وإن جعلت الحال من المضمر فى {آمِنِينَ} فحسن، وإن جعلتها من الضمير الذى هو الهاء والميم فى {صُدُورِهِمْ} فالحال من المضاف إليه ضعيفة، وقد بسطت القول في هذا النّحو، فيما تقدّم [5] . ولكن يجوّز ويحسّن أن يكون قوله: {إِخْوانًا} حالا من
(1) سورة الحجر 45 - 47.
(2) المشكل 2/ 8 (دمشق) ،1/ 414 (بغداد) .
(3) يعنى الجارّ والمجرور. أما الظرف الآخر الذى هو ظرف الزمان والمكان فيقال له: الظرف الصحيح. راجع المجلس السادس والثلاثين.
(4) تحدّث ابن الشجرى عن هذه الحال المقدّرة في المجلسين: الثانى عشر، والحادى والسبعين.
(5) فى المجالس: الثالث، والحادى والثلاثين، والسادس والسبعين.