جاء في التنزيل: {يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} [1] والفاء لا يجاب بها الخبر الموجب إلا في ضرورة شعر، كقوله:
سأترك منزلى لبنى تميم … وألحق بالحجاز فأستريحا [2]
ويقوّى ذلك أنك لو قلت: ليت لى مالا، لما عورضت بتصديق ولا تكذيب، فقد خرج التمنّى عن حيّز الخبر بهذين.
ومن التمنّى قوله تعالى، حاكيا عن الكفار: {فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [3] /فالنصب في قوله: {فَنَكُونَ} يحتمل وجهين، أحدهما: أن يجعل {فَنَكُونَ} جوابا مثل {فَأَفُوزَ} [4] والآخر أن يكون معطوفا على المصدر الذى هو {كَرَّةً} كأنه قيل: فلو أنّ لنا أن نكرّ إلى الدنيا فنكون من المؤمنين، ومثل ذلك في عطف الفعل المنصوب بأن مضمرة، على مصدر، قول امرأة أعرابية [5] من نساء معاوية، اشتاقت أهلها:
للبس عباءة وتقرّ عينى … أحبّ إلىّ من لبس الشّفوف
الشّفوف: الثّياب الرّقاق، واحدها شفّ، وإنما أضمروا في هذا النحو
(1) سورة النساء 73.
(2) هذا شاهد كثير الدوران في كتب النحو. وقد نسبه القيسىّ في إيضاح شواهد الإيضاح ص 347 للمغيرة بن حبناء، وكذلك العينىّ والسيوطىّ، في شرح الشواهد الكبرى 4/ 390، وشرح شواهد المغنى ص 169، وحكاه البغدادىّ عنهما، ثم قال: «وقد رجعت إلى ديوانه، وهو صغير، فلم أجده فيه» . الخزانة 8/ 524. والبيت من غير نسبة في الكتاب 3/ 39،92، والمقتضب 2/ 24، والإيضاح ص 313، والمسائل المنثورة ص 146، والأصول 2/ 182،3/ 471، وضرورة الشعر ص 195، وضرائر الشعر ص 284، والمحتسب 1/ 197، والتبصرة ص 403، والإفصاح ص 184، والمغنى ص 190، وشرح أبياته 4/ 114. وانظر شعره (ضمن شعراء أمويون) 3/ 83.
(3) سورة الشعراء 102، وانظر لمجيء «لو» بمعنى التمنّى: الكشاف 3/ 119، والبحر 7/ 28، ورصف المبانى ص 291، والمغنى ص 295، ودراسات لأسلوب القرآن الكريم 2/ 664،665.
(4) فى آية النساء السابقة.
(5) ميسون بنت بحدل الكلبيّة، وبيتها هذا في غير كتاب. انظر كتاب سيبويه 3/ 45، والمقتضب 2/ 27، والأصول 2/ 150، والمحتسب 1/ 326، والبسيط ص 233، وشرح ابن عقيل 2/ 280، والمغنى ص 295، وفهارسه، وشرح أبياته 5/ 64، وفهارسه، والخزانة 8/ 503، وفهارسها. وأورد ابن الشجرىّ القصيدة كلّها في حماسته ص 573.