حتى جعل بعض الأحاديث المستمسك بدينه في أيام الصبر، له أجر خمسين من بعض الصحابة.
فقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجه في سننهم عن أبى أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني قال: قلت: يا أبا ثعلبة، كيف تقول في هذه الآية: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} [المائدة: 105] . قال: أَمَا وَاللهِ لَقَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا خَبِيْرًا، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُوْلَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ (1) ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا، الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ القَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ» ، رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن غريب، زاد أبو داود والترمذي: قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: «بَلْ أَجْرُ خَمْسِيْنَ مِنْكُمْ» (2) .
والخطاب في الحديث لا يشمل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ومن أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، وأمثالهم، فهؤلاء لا يطمع أحد بعدهم في بلوغ منزلتهم، ولكنه يستثير همم العاملين للإسلام اليوم في أجواء الفتن المتلاحقة، بما وعدهم الله على لسان رسوله من الأجر المضاعف: أجر خمسين في عصور النصر والازدهار. وقد تحقق ما نبأ به الرسول الكريم،
(1) زاد عند ابن ماجه هنا: «وَرَأَيْتَ أَمْرًا لَا يَدَانِ لَكَ بِهِ» أي رأيتَ من الفساد ما لا قِبَل لك به، ولا قدرة لك عليه، وهي زيادة مهمة في الحديث، تدل على أن الانسان لا يدع الأمر والنهي إلا عند ما يعجز، ويكون التغيير أكبر من طاقته وجهده.
(2) رواه أبو داود في الملاحم [4341] ، والترمذي في التفسير [3060] ، وقال: حسن غريب، وابن ماجه في الفتن [4014] .