فقال: إذا أذن المؤذن وأنت تحت العرش فقم، وأجب داعي الله، ثم عد إلى موضعك. وهذا لأن الجمعية على الله حظ الروح والقلب، وإجابة الداعي حق الرب. ومن آثر حظ روحه على حق ربه فليس من أهل"إياك نعبد".
الصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها: ما كان فيه نفع متعد، فرأوه أفضل من ذي النفع القاصر. فرأوا خدمة الفقراء، والاشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم، ومساعدتهم بالمال والجاه والنفع أفضل. فتصدوا له وعملوا عليه، واحتجوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «اَلْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللهِ، وَأَحَبُّهُمْ إِلَيْهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ» (1) رواه أبو يعلى.
واحتجوا بأن عمل العابد قاصر على نفسه، وعمل النفاع متعد إلى الغير. وأين أحدهما من الآخر؟
قالوا: ولهذا كان فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب (2) .
قالوا: وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه: «لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» (3) ، وهذا التفضيل إنما هو للنفع المتعدي. واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُوْرِ مَنْ اِتَّبَعَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُوْرِهِمْ
(1) رواه الطبراني في الكبير والأوسط عن ابن مسعود، ورواه أبو يعلى والبزار عن أنس، كلاهما بسند فيه متروك، كما قال الهيثمي (8/ 191) ، ورواه الطبراني في الثلاثة عن ابن عمر: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ ... » ، وحسّنه في صحيح الجامع الصغير [176] .
(2) كما في حديث أبي الدرداء الذي رواه أحمد وأصحاب السنن وابن حبان. كما في صحيح الجامع الصغير [6297] .
(3) رواه البخاري عن علي بن أبي طالب.