عليه الكتاب الخالد، مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل من جهة، ومصححا لها من جهة أخرى، وفي هذا قال الله تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق) .
ومما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم: تصحيح مفاهيمهم عن الألوهية، فقد شابتها في كتبهم ومعتقداتهم شوائب كثيرة، كدرت صفاءها، وأخرجتها عن نقاء التوحيد الذي جاء به إبراهيم أبو الأنبياء، فإذا التوراة تحفل بمعاني التجسيم والتشبيه لله الواحد الأحد، حتى لتكاد تحسبه واحدا من البشر المخلوقين، يخاف ويحسد ويغار، ويصارع إنسانا فيصرعه ويغلبه، كما فعل مع إسرائيل إلى آخر ما في أسفار التوراة وملحقاتها.
وكذلك ما دخل على عقيدة النصارى من التثليث، وما دخل من تأثير الوثنية الرومانية على الديانة المسيحية، بعد دخول الملك قسطنطين إمبراطور الروم في النصرانية، فكسبت الدولة، وخسرت دينا. حتى قال بعض علمائنا: إن روما لم تنتصر، ولكن النصرانية ترومت!
على أن اليهود والنصارى، وإن اعتبروا كفارا بسبب تكذيبهم برسالة الإسلام، وصدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن لهم وضعا خاصا، بوصفهم"أهل كتاب سماوي"، فهم يؤمنون في الجملة بالألوهية، وبالرسالات السماوية، وبالجزاء في الآخرة، ومن ثم كانوا أقرب إلى المسلمين من غيرهم. فأجاز القرآن مؤاكلتهم ومصاهرتهم: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم…) .
وهذه السورة (المائدة) نفسها هي التي تحدثت عن كفر النصارى لقولهم: