(إن الله هو المسيح ابن مريم) ، (إن الله ثالث ثلاثة) ، فلا مجال لمن يقول: إن نصارى اليوم غير النصارى الذين كانوا في عصر نزول القرآن، فالمعروف أن النصرانية قد"تبلورت"وتحددت معالمها العقدية منذ"مؤتمر نيقية"الشهير (سنة 325) من ميلاد المسيح.
وقد عرف الصحابة منذ العهد المكي قرب أهل الكتاب ـ وبخاصة النصارى ـ إليهم، فحزنوا لانهزام الروم البيزنطيين وهم نصارى، أمام الفرس، وهم مجوس، على حين فرح الوثنيون المشركون من أهل مكة بانتصار الفرس، فكل من الفريقين عرف من هو أقرب إليه ومن هو أبعد منه. وقد نزل قرآن يتلى يبشر المسلمين بنصر غير بعيد للروم على الفرس، وذلك في أوائل سورة الروم: (الم، غلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين، لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون، بنصر الله) .
وهذا يضع أمام أعيننا قاعدة مهمة للموازنة والترجيح في التعامل مع غير المسلمين، واعتبار أهل الكتاب ـ في الجملة ـ أقرب من الملاحدة والوثنيين، ما لم تكن هناك عوامل خاصة تجعل أهل الكتاب أشد عداوة أو حقدا للمسلمين: كما نرى حديثا عند الصرب وعند اليهود.
ومن المؤكد أن الكفار منهم مسالمون، فلهم منا المسالمة، ومنهم معادون محاربون. فنحن نحاربهم بمثل ما يحاربوننا به. فهناك الذين كفروا فقط، وهناك الذين"كفروا وظلموا"، أو"كفروا وصدوا عن سبيل الله"وكل له حكمه. وقد قال تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من