فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 264

فهذا هو وصف الذين أحسنوا، والذين لهم الحسنى، أنهم يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، إلا اللمم. وقد روى عن جماعة من السلف في تفسير"اللمم": أنه الإلمام بالذنب مرة ثم لا يعود إليه، وإن كان كبيرا.

قال أبو صالح: سئلت عن قول الله:"اللمم"فقلت: هو الذي يلم بالذنب ثم لا يعاوده، فذكرت ذلك لابن عباس. فقال: لقد أعانك عليها ملك كريم.

والجمهور على أن اللمم ما دون الكبائر، وهو أصح الروايتين عن ابن عباس كما في صحيح البخاري عنه: ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى، أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه"، ورواه مسلم، وفيه:"العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا".

قال الإمام ابن القيم: والصحيح قول الجمهور أن اللمم صغائر الذنوب، كالنظرة والغمزة والقبلة ونحو ذلك، هذا قول جمهور الصحابة ومن بعدهم. وهو قول أبى هريرة وابن مسعود وابن عباس ومسروق والشعبي، ولا ينافي هذا قول أبى هريرة وابن عباس في الرواية الأخرى: أنه يلم بالكبيرة ثم لا يعود إليها. فإن اللمم إما أنه يتناول هذا وهذا. ويكون على وجهين، أو أن أبا هريرة وابن عباس ألحقا من ارتكب الكبيرة مرة واحدة، ولم يصر عليها، بل حصلت منه فلتة في عمره ـ باللمم، ورأيا أنها إنما تتغلظ وتكبر وتعظم في حق من تكررت منه مرارا عديدة. وهذا من فقه الصحابة رضي الله عنهم، وغور علومهم، ولا ريب أن الله يسامح عبده المرة والمرتين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت