وفي المقابل من أجاز ذلك وجد من تشدد مستدلا بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن آنية أهل الكتاب، الذين يأكلون الخنزير، ويشربون الخمر، فقال:"إن لم تجدوا غيرها، فاغسلوها بالماء، ثم كلوا فيها".
وقد فسر الإمام أحمد الشبهة بأنها منزلة بين الحلال والحرام، يعني الحلال المحض، والحرام المحض، وقال: من اتقاها فقد استبرأ لدينه، وفسرها تارة باختلاط الحلال والحرام.
قال العلامة ابن رجب: ويتفرع على هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط، فإن كان أكثر ماله الحرام، فقال أحمد: ينبغي أن يجتنبه إلا أن يكون شيئا يسيرا، أو شيئا لا يعرف، واختلف أصحابنا: هل هو مكروه أو محرم؟ على وجهين.
وإن كان أكثر ماله الحلال، جازت معاملته والأكل من ماله. وقد روى الحارث عن علي أنه قال في جوائز السلطان: لا بأس بها، ما يعطيكم من الحلال أكثر مما يعطيكم من الحرام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعاملون المشركين وأهل الكتاب مع علمهم بأنهم لا يجتنبون الحرام كله.
وإن اشتبه الأمر فهو شبهة، والورع تركه. قال سفيان: لا يعجبني ذلك، وتركه أعجب إلي.
وقال الزهري ومكحول: لا بأس أن يؤكل منه ما لم يعرف أنه حرام بعينه، فإن لم يعلم في ماله حرام بعينه، ولكنه علم أن فيه شبهة، فلا بأس بالأكل منه، نص عليه أحمد في رواية حنبل.
وذهب إسحاق بن راهويه إلى ما روى عن ابن مسعود وسلمان وغيرهما من الرخصة، وإلى ما روى عن الحسن وابن سيرين في إباحة الأخذ مما يقضى من الربا والقمار، نقله عنه ابن منصور.