فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 264

تلك السنون كلها لم تنزل فيها تشريعات تنظم المجتمع وتضبط علاقاته الأسرية والاجتماعية، وتعاقب من ينحرف عن قوانينه. بل كان عمل القرآن، وعمل الرسول هو بناء هذا الإنسان وهذا الجيل من أصحابه، وتربيته وتكوينه، ليربى العالم كله بعد ذلك.

كانت دار الأرقم بين أبي الأرقم تقوم بدورها. وكان كتاب الله الذي يتنزل عليه منجما حسب الوقائع، ليقرأه على الناس على مكث، ويثبت به فؤاده، وأفئدة الذين آمنوا معه، ويرد على أسئلة المشركين ويعقب على مواقفهم ـ يقوم بالدور الأكبر في تربية الفئة المؤمنة، وحسن تسييرها، وترشيد سيرها. قال تعالى: (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا) ، (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة، كذلك لنثبت به فؤادك، ورتلناه ترتيلا، ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا) .

إن أهم ما ينبغي أن نشغل به اليوم إذا أردنا إصلاح حالنا: أن نبدأ البداية الصحيحة، وذلك ببناء الإنسان، بناءا حقيقيا لا صوريا، نبني عقله وروحه وجسمه وخلقه، بناء متوازنا لا طغيان فيه ولا إخسار في الميزان، نبنيه عقليا بالثقافة وروحيا بالعبادة، وجسميا بالرياضة، وخلقيا بالفضيلة، وعسكريا بالخشونة، واجتماعيا بالمشاركة، وسياسيا بالتوعية، ونعده للدين وللدنيا معا، وليكون صالحا في نفسه مصلحا لغيره، حتى ينجو من خسر الدنيا والآخرة، الذي ذكره الله في سورة العصر: (والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) .

ولا يتم ذلك إلا في ضوء تصور كلي للوجود، وفلسفة واضحة للحياة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت