فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 264

وكثيرا ما تخضع الأفهام لعقول الناس وظروفهم واتجاهاتهم النفسية والعقلية. فالمشدد يفهم من النص غير ما يفهمه الميسر. ولذا عرف تراثنا شدائد ابن عمر، ورخص ابن عباس. وذو الأفق الواسع يفهم منه غير ما يفهمه ذو الأفق الضيق. والمقاصدي الذي يعنى بفحوى النص روحه، يفهم منه غير ما يفهمه الظاهري الحرفي، الذي يجمد على ظاهره لا يحيد عنه. وفي قضية الأمر بصلاة العصر في بني قريظة أبلغ دليل على ذلك.

ولله حكمة في أن جعل النصوص قابلة لمثل هذا التعدد، لتسع الناس جميعا، باتجاهاتهم المتباينة. ولهذا أنزل كتابه الخالد، منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات.

ولو شاء الله أن يجمع الناس على فهم واحد، ورأي واحد، لأنزل كتابه كله آيات محكمات، وجعل النصوص كلها قاطعات.

والقرآن كله قطعي الثبوت من غير شك، ولكن أكثر آياته ـ في جزئياتها ـ ظنية الدلالة، ولذا اختلف الفقهاء في الاستنباط منها.

ولكن القضايا الكبرى مثل الألوهية والنبوة والجزاء وأصول العبادات وأمهات الأخلاق (فضائل ورذائل) ، والأحكام الأساسية للأسرة والميراث، والحدود والقصاص، ونحو ذلك قد بينتها آيات محكمات، تقطع النزاع، وتجمع الكل على كلمة سواء.

وأكدت هذه القضايا: السنة النبوية قولا وفعلا وتقريرا، كما أكدها الإجماع اليقيني من علماء الأمة، واقترن بها التطبيق العملي من الأمة.

ومن هنا: لا يجوز الخلط ـ جهلا أو قصدا ـ بين النصوص بعضها وبعض.

فقد يعذر من يرد نصا ظنيا في ثبوته، إذا قام لديه دليل على عدم ثبوته عنده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت