وقد يعذر من يرد رأيا في نص ظني في دلالته، أو يفسره تفسيرا جديدا غير ما فسره به الأولون، ولكنه محتمل.
وقد لا يعذر هذا ولا ذاك، في ردهما النص الظني، إذا كان ظاهر التمحل، أو التلفيق. ولكنه لا يكفر ويخرج من الملة بسبب موقفه هذا، أقصى ما فيه أن يبدع، أي يرمى بالبدعة، والخروج عن النهج المعتاد لأهل السنة، وحسابه على الله تعالى. وليس هذا لكل من هب ودب، بل للمحققين من أهل العلم الثقات.
إنما الذي يرفض حقا وينبذ قائله: هو رد النصوص القطعية الثبوت والدلالة جميعا، فهذه ـ وإن كانت قليلة ـ تعتبر في غاية الأهمية في الدين، لأنها هي التي تجسد الوحدة العقيدية والفكرية والشعورية والعملية للأمة المسلمة، وهي التي يحتكم إليها عند النزاع، ويرجع إليها عند الاختلاف، فإذا غدت هي الأخرى مثار نزاع واختلاف، فإلى أي شيء يرجع الناس؟!
ومن هنا حذرنا في كتبنا من تلك المؤامرة الفكرية التي تعمل على تحويل القطعيات إلى ظنيات، والمحكمات إلى متشابهات، مثل الذين يجادلون في آية تحريم الخمر: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) ، والتشكيك في دلالة كلمة"فاجتنبوه"على التحريم.
ومثل الذين يجادلون في تحريم الربا، مثل الذين يجادلون في تحريم لحم الخنزير، ومثل الذين يجادلون في ميراث المرأة، أو في قوامية الرجل على الأسرة، أو في وجوب الحجاب (بمعنى لبس الخمار والملابس المحتشمة) أو غير ذلك مما ثبت بنصوص قطعية الثبوت والدلالة، وانعقد عليها إجماع الأمة، واستقرت عليه فقها وعملا، نظرا وتطبيقا، أربعة عشر قرنا من الزمان.