إن هذه الأمور الواضحة البينة من الدين هي مما يطلق عليه العلماء"ما علم من الدين بالضرورة"أي يعرفه الخاص والعام من المسلمين، دون حاجة إلى إقامة دليل عليها، لأن أدلتها متكاثرة ومعروفة، وراسخة في وجدان الأمة.
وهذه هي التي يحكم على جاحدها بالكفر، وينبغي قبل هذا الحكم أن تزاح عن صاحبها الشبهة، وتقام عليه الحجة، ويقطع عنه العذر، وبعد ذلك يعزل عن جسم الأمة، ويقضى عليه بالانفصال منها.
فينبغي التركيز على القطعيات المجمع عليها، لا على الظنيات المختلف فيها، والذي أضاع الأمة إنما هو أضاعتها للقطعيات، والمعركة بين دعاة الإسلام اليوم في أنحاء العالم الإسلامي وبين دعاة العلمانية اللادينية إنما تدور حول القطعيات: قطعيات العقيدة، وقطعيات الشريعة، وقطعيات الفكر، وقطعيات السلوك.
إن هذه القطعيات هي التي يجب أن تكون أساس التفقيه والتثقيف، وأساس الدعوة والإعلام، وأساس التربية والتعليم، وأساس الوجود الإسلامي كله.
وإن من أخطر الأشياء على الدعوة الإسلامية، وعلى العمل الإسلامي: جر الناس باستمرار إلى الأمور الخلافية، التي لا ينتهي الخلاف فيها، وإدارة الملاحم الساخنة حولها، وتصنيف الناس على أساس مواقفهم منها، وتحديد الولاء لهم أو البراءة منهم بناء على ذلك.
هذا مع أننا قد وضحنا بالأدلة القاطعة في كتابنا"الصحوة بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم"أن هذا النوع من الاختلاف ضرورة، ورحمة، وسعة، وأن إزالته غير ممكنة، وغير مفيدة.
ليس معنى كلامي ألا نتكلم في أمر خلافي قط، ولا نرجح رأيا على رأي في قضية عقدية أو فقهية أو سلوكية، فهذا مستحيل، وما عمل العلماء إذن إذا لم يصححوا ويضعفوا ويرجحوا ويختاروا؟