الوديع، (ويستحب قبولها لمن قام بالأمانة فيها) ، إن كان ثم غيره، وإلا وجب قبولها كما أطلقه جمع، قال في الروضة كأصلها. وهذا محمول على أصل القبول دون
منها الحفظ فإن عرض فعل مضمن فعلى خلاف الأصل بخلاف الرهن فإن القصد منه التوثق والأمانة فيه تابعة. وينبني على ذلك أن الوديع يقبل قوله في رد الوديعة؛ لأن وضعها الأمانة وإذا فعل فعلا تعديًا ارتفعت؛ لأن مقصودها الحفظ. وقد زال بالتعدي فيجب فيها الرد فورا. وأما المرتهن فلا يقبل قوله في الرد؛ لأن القصد منه التوثق والأمانة تابعة، ولذلك إذا فعل فعلا مضمنًا لم يلزمه الرد فورا وإن كان ضامنًا لارتفاع الأمانة التابعة وبقاء الوثق الذي هو الأصل هناك. قوله: (ويستحب قبولها سواء كانت بجعل أو لا لقوله تعالى:(ما على المحسنين من سبيل) [التوبة: 91] والوديع محسن في الجملة ولخبر مسلم: «والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه» . والمراد أنه يستحب قبولها عينًا لمن انفرد أو كفاية لمن تعدد فيكون الاستحباب عينيًا أو كفائيًا كما أن الوجوب يكون عينيًا أو كفائيًا ومحل الاستحباب عينًا لمن انفرد أو كفاية لمن تعدد إن لم يخش ضياعها بأن قدر صاحبها على حفظها فلا ينافي قول الشارع وإلا وجب قبولها؛ لأنه محمول على ما إذا خشي ضياعها بأن لم يقدر صاحبها على حفظها، وخرج بقبولها إيجابها فهو تابع لجواز التصرف وعدمه فيصح في الأول ولا يصح في الثاني.
فائدة: فرض العين أفضل من فرض الكفاية على الراجح. والمراد بالأفضلية كثرة الثواب لفاعله. قوله: (لمن قام بالأمانة فيها) أي بأن قدر على حفظها ووثق بأمانة نفسه فيها حالا ومآلا أي حال قبولها وبعده فإن عجز عن حفظها حرم عليه قبولها، لأنه يعرضها للتلف وإن قدر على حفظها وهو في الحال أمين لكن لم يثق بأمانة نفسه في المستقبل بل خاف من نفسه الخيانة فيه كره له قبولها خشية الخيانة فيها، وهذا إذا لم يعلم المالك بحاله فيهما وإلا فلا تحريم في الأولى ولا كراهة في الثانية، وتكون مباحة فتعتريها الأحكام الخمسة. قوله: (إن كان ثم غيره) أي إن كان هناك في مسافة العدوى أمين غيره، وقوله وإلا وجب قبولها أي وإن لم يكن هناك في مسافة العدوى أمين غيره وخشي ضياعها وجب عليه قبولها عينا فلا ينافي أنه يستحب قبولها عينا لمن انفرد؛ لأن ذلك محمول على من لم يخش ضياعها كما مر. وقوله كما أطلقه جمع أي من أصحابنا معاشر الشافعية. ومعنى إطلاقهم له أنهم لم يقيدوه بأصل القبول مع أنه مقيد بأصل القبول كما يعلم مما نقله بعد عن الروضة وأصلها. قوله: (قال) أي الإمام النووي. وقوله في الروضة كأصلها متعلق بقال. والمراد بأصلها ما اتفق فيه لفظ الرافعي والنووي @